13 يوليو 2005

 

 

 

قنوات فضائية تنويرية لنتخلص من ثقافة العبيد

د. أحمد صبحى منصور

 

1- الإسلام اليوم في مأزق. هو دين الديمقراطية والحرية والعدل والإحسان والسلام والتسامح، وقد أرسل الله تعالى محمدا عليه السلام ليكون رحمة للعالمين، فأصبح الإسلام متّهماً بأنه لإرهاب العالمين وقتل الأبرياء والمدنيين.

المسلمون أيضا في مأزق، هم بالفطرة يؤمنون بأن الإسلام هو دين الرحمة والتسامح والقيم العليا والخير، ومع ذلك فهم يتعرضون لغسيل مخ ينصب على عقولهم من دعاة التطرف مما يجعل بعضهم يقع في براثن التعصب والتزمت والتطرف ثم يسهل تجنيده للقيام بأعمال إرهابية يقتل بها أبرياء، ويصبح هو أول ضحية لهذا الفكر، بينما يكون الإسلام العظيم – نفسه – هو الضحية الحقيقية التي يقع عليها اللوم والاتهام الظالم.

دعاة التطرف والإرهاب ليسوا فقط شيوخا وأئمة ومقدمي برامج دينية، ولكن أخطرهم هم كاتبو الدراما العادية والدراما التاريخية الإسلامية، إذ يتم الترويج لأفكار التطرف وثقافة الإرهاب بطريق فعال – وغير مباشر – من خلال الدراما التي تتسلل إلى عقل المشاهد ووعيه الباطني وتصيغه وتؤثر فيه وهو مستمتع لما يشاهد دون مناقشة أو احتجاج.

 

2- كان المفروض أن يهب المسلمون في المهجر – خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية -لمواجهة هذا الخطر ولتبنى إصلاح المسلمين من داخل دينهم. فالمسلمون الأمريكان يتمتعون بحرية وثقافة وتقدم تقنى وامكانات يحسدهم عليها بقية المسلمين في العالم العربي والاسلامى. ولكن الذي حدث أن المتطرفين كانوا هم الأسبق في السيطرة على معظم المساجد والمدارس الإسلامية وإنشاء الجمعيات والمنظمات التي تحمل لافتة الإسلام. ثم بادر بعضهم في نيويورك لإقامة قناة فضائية أيضا. كل ذلك مما يدعم الصورة السلبية للإسلام في أعين الغرب ويجعل المسلمين الأمريكيين في موقع الشبهة والاتهام حتى لو كانوا متسامحين متنورين.

 

3- معظم الدول العربية تحتكر الإعلام والقنوات التليفزيونية المحلية والفضائية، وتوجهها لخدمة الحاكم الديكتاتور – كما في مصر – أو لخدمة الأسرة الحاكمة و ايدلوجيتها الدينية الداعية للتطرف والتزمت والتعصب – كما في السعودية. عندما أقدمت دولة قطر الصغيرة على إنشاء قناة الجزيرة بهامش معقول من الحرية والاستقلالية أصبحت قناة الجزيرة مثل "الأعور وسط العميان" زادت شهرتها العربية والعالمية، وأصبح اسمها يتردد حتى في حوار الأفلام الدرامية الأمريكية وتتناولها معاهد الأبحاث الأمريكية بالتحليل. فاقت شهرة الجزيرة وتجاوزت حتى الدولة التي تملكها بحيث يمكن أن يقال أن قناة الجزيرة هي التي تصدر دولة قطر وليس العكس. هذا مع أن هامش الحرية إلى تلتزم به الجزيرة يجعلها تنقد كل العرب ما عدا حكام قطر.

نجاح قناة الجزيرة دفع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قناة الحرة الناطقة بالعربية. إلا أن الحرة أصبحت مكروهة لا لشيء إلا لأنها أمريكية، والشارع العربي يموج بكراهية أمريكا -كإحدى ملامح ثقافة العبيد - ولم تفلح الحرة في تخفيف هذا العداء لأمريكا بل وقعت – مع الأسف – ضحية له، إذ أصبحت مقاطعة الحرة شعارا يرفعه اليساريون والقوميون والسلفيون. وبهذا فشلت الحرة الأمريكية في منافسة الجزيرة القطرية.

فشل الحرة في منافسة الجزيرة دفع بعض السعوديين لإنشاء قناة العربية بهامش حرية أعلى يفوق ما لدى القنوات الفضائية السعودية الأخرى ولكن يقل عما تتمتع به الجزيرة. لذا تخلفت قناة العربية عن قناة الجزيرة.

 

 4- في السنوات القليلة القادمة وفى ظل الدعوة إلى إصلاح الشرق الأوسط وتدعيم ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح سيتم تحرير الإعلام العربي من السيطرة الحكومية لينطلق معبرا عن الشعوب وليس الحكام المستبدين.  بل لقد بدأ هذا بالفعل في العراق بعد خلع صدام حسين، إذ – أنه برغم عدم الاستقرار - يزدحم الفضاء العراقي بعشرات القنوات الفضائية الخاصة.  ولكن تظل هناك مشكلة رئيسية من المنتظر أن تزداد حدتها؛ هي كيفية ملء كل هذه القنوات - ما ظهر منها وما سيظهر - بأعمال درامية وتليفزيونية تصب في اتجاه التنوير وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان. تعانى القنوات الفضائية العراقية من نقص حاد في تغطية ساعات إرسالها مما جعلها تلجأ إلى حشو ساعاتها بما يعرف بتليفزيون الواقع أو   Real T.V. الذي ينقل مشاهد مباشرة من الحياة الواقعية العراقية ليجعل العراقيين يتمتعون بمشاهدة أنفسهم بعد أن ظلوا سنين طوالا يحملقون – مجبرين - في صورة الزعيم الملهم صدام حسين.

 

5- المستفاد مما سبق انه أصبحت ضرورة إسلامية وإصلاحية إنشاء المزيد من القنوات التليفزيونية الحرة المستقلة تخاطب العالم الاسلامى تدعوه إلى ثقافة التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية بطريقة مدروسة تبتعد عن الغوغائية والوعظ المباشر، بل تتسلل إلى عقل المشاهد في سهولة ويسر تقنعه بالتي هي أحسن.

وحين عملت أستاذاً زائرا في الوقفية الأمريكية للديمقراطية (NED) في أواخر عام 2002 كتبت لهم بحثا باللغة الإنجليزية بعنوان "ديمقراطية الإسلام وطغيان المسلمين" يؤكد التناقض بين ديمقراطية الإسلام المباشرة وطغيان الحكام المسلمين وكيف صادر المسلمون بالتدريج تلك الديمقراطية إلى أن تحولت إلى ديكتاتورية عسكرية قبلية عنصرية في العصر الأموي ثم إلى ديكتاتورية كهنوتية دينية في العصر العباسي – وهو عصر تدوين حضارة المسلمين – فتم تثبيت معنى الشورى بمفهوم الراعي والرعية وأهل الحل والعقد لتسويغ تسلط الخليفة العباسي - ثم العثماني – على الناس بحجة أنه يستمد سلطته السياسية من الله تعالى، وأنه مسئول أمامه فقط عن الرعية يوم القيامة، وأنه يملك الأرض وما عليها ومن عليها ومن حقه أن يقتل ثلث الرعية لإصلاح حال الثلثين إلى آخر ذلك من تشريعات تفنن فيها فقهاء العصر العباسي لإرضاء فرد واحد وإغضاب رب العالمين. وللتخلص من هذه الثقافة الدينية – ثقافة العبيد - أكدت على أهمية انشاء قنوات فضائية حرة مستقلة لارساء ثقافة الديمقراطية وحقوق الانسان.

 

6- هذه القنوات تستطيع أن تلعب دورا هاما في:

 

 أ- التآلف بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم أوطانهم ومجتمعاتهم وطوائفهم من سنة وشيعة وصوفية وفقهاء وعلمانيين وتقليديين، والتآلف أيضا بين كل المواطنين على أساس المواطنة المتساوية - بعدل الله تعالى – لكل المواطنين مهما اختلفت الأديان والأعراق واللغات والثقافات. وأن يتم هذا التآلف على قاعدة التسامح باعتباره قيمة أخلاقية إسلامية.

ب - تدعيم التواصل الثقافي والانسانى والعائلي بين المسلمين في المهجر وعائلاتهم في بلدانهم الأصلية.

 

ب – التعبير عن الفئات المهمشة والمحرومة في بلاد المسلمين بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق والثقافة كمظهر من مظاهر التسامح الايجابي الذي لا يكتفي بالأمنيات الطيبة والمشاعر النبيلة بل يترجمها إلى موقف عملي يواسى المظلوم والمحروم ويخفف من مشاعره الانتقامية ويقنعه أن الخير في الدنيا هو الأصل وهو الذي يمكث في الأرض حتى بعد فناء فاعله.

ج- تدعيم التواصل الثقافي والانسانى بين المسلمين والغرب عبر إرسالها المترجم للإنجليزية ومستقبليها في المهجر في مجتمعات الغرب، والأهم من ذلك عبر رسالة التسامح التي تحملها وهى ثقافة يؤمن ويدافع عنها الغرب ويحترم من يدعو إليها.

 

د – باعتبارها قناة مستقلة حرة غير حكومية وغير خاضعة لاتجاه سياسي أو إيديولوجي خادع فان القناة الجديدة تستطيع أن تخاطب المشاهد بكل حرية متخففة من أي قيود سياسية ومتحررة من أي شبهات إيديولوجية مما يعطيها الحق في التأكيد على ثقافتها الإنسانية ويمنحها القدرة على اجتذاب المواطن العادي والأغلبية الصامتة التي لم تجد إلى الآن من يعبر عنها بصدق ومثالية وبدون غرض أو منفعة أو هدف سيأسى.

 

ه- لأنها تضم إلى همومها المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب وأمريكا فان هذه القنوات ستجد شعبيتها لدى المشاهد العربي والمسلم في أمريكا وكندا، و ستكون ميدانا جديدا للمواهب والطاقات والكفاءات العربية والإسلامية في الجالية العربية والإسلامية في أمريكا الشمالية. وستمكن للكفاءات العربية المحجوبة أن تعمل وتنبغ في إصلاح الوطن العربي ونشر ثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح فيه.

 

 و – وبما أن هذا العصر الذي نعيشه هو عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح فان هذه القناة تأتى متفقة مع عصرها متناغمة معه.  لذا تجد القنوات العربية الأخرى صعوبة حقيقية في التوفيق بين ثقافة الاستبداد والاستعباد والتطرف والتعصب والتزمت من جهة وثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية والتسامح من جهة أخرى، وتحاول المواءمة والتوفيق بين الثقافتين المتعارضتين حتى تتمكن من معايشة العصر الراهن مع عدم المساس بثوابت الثقافة البالية المتخلفة. هذه المواءمة لا تنجح إلا في تقديم مزيج باهت هلامي غير متكامل لا يسمن ولا يغنى من جوع.

 لذلك تظل نواحي كثيرة مسكوتا عنها في ثقافتنا – ثقافة العبيد - لم يتم طرحها ومناقشتها بصراحة وأمانة ووضوح بهدف المكاشفة والمصارحة وصولا إلى إصلاح حقيقي للموروثات المقدسة أو ما يسمونه بالثوابت.

 ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح هي أهم مجال تفشل فيه القنوات الفضائية الأخرى اما لأنها مملوكة بأيدي نظم مستبدة متطرفة متخلفة، واما أنها مثل بعض القنوات الفضائية العراقية واللبنانية تريد ذلك ولكن ليس لديها طاقم من المفكرين المسلمين المتبحرين في الإسلام وعلومه وتاريخه وتشريعاته والذين لهم باع أيضا في ثقافة حقوق الإنسان ولهم تاريخ نضالي في الدفاع عن هذه الثقافة تعرضوا بسببها إلى الاضطهاد. هذا الصنف من المفكرين المناضلين في سبيل الإصلاح وحقوق الإنسان موجود بكثرة وان تعرض للتهميش والتشويه أو أرغمته الظروف على الاختفاء. هذا الصنف هو وحده الذي يمكن أن يكون مرجعية إسلامية في هذا المجال ويمتلك المقدرة على ولوج هذا الحقل الشائك المليء بالألغام. ومن حسن الحظ أن تتمتع هذه القنوات بوجود من يملأ هذا الفراغ بما يمكنها من مباشرة دورها في ثقافة التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية، وأن تتخصص في مجال مطلوب بشدة عالميا وإقليميا ومحليا، وان تقتحمه بجرأة في نفس الوقت التي تقف فيه القنوات الأخرى على شاطئه عاجزة خائفة.

 

ز - خلاصة ما سبق أن القنوات المرتجاة لا بد لها من شركات إنتاج تغذيها وتملأ ساعات إرسالها بما يعزز رسالتها ويحقق الغرض منها.

 

 

 

إنشاء شركات للإنتاج الدرامي والتليفزيوني

 

1- إذا كانت هذه القنوات الفضائية متفردة في رسالتها فلا بد لها من شركات إنتاج للدراما والبرامج الثقافية تكون أيضا متفردة في نوعية إنتاجها، بمعنى آخر فان هذه الشركات رغم أن إنتاجها يروج لفضيلة( التسامح ) إلا أنها لا يمكن أن ( تتسامح ) في نوعية الإنتاج الذي تقدمه، لا بد أن يكون عالي الجودة. الجودة هنا تبدأ بالنص المكتوب، ثم بتنفيذه، ثم عرضه. وفى كل مرحلة لا بد أن يكون على أعلى مستوى.

 

2- التسامح هو القيمة الأخلاقية الرئيسية التي يدور حولها إنتاج الشركة، ولكن لا بد من اصطحاب بعض القيم الأخرى المؤكدة للتسامح والمعضدة له مثل العدل والديمقراطية والحرية والسلام والمحبة والايثار والكرم والشهامة والرجولة والشجاعة والرحمة.. وحقوق الإنسان.

 

3- يتم التعبير عن هذه القيم والفضائل الإنسانية والإسلامية بالدراما والبرامج الدينية والثقافية.

 

أ‌-     الدراما

 هي أخطر وسيلة في التأثير في المشاهد. سواء كانت دراما عصرية من حياتنا الاجتماعية الراهنة، أو كانت دراما تراثية تنقل جوانب من تاريخ المسلمين. من السهل أن تعبر الدراما العادية بكل أنواعها من الاجتماعية والسياسية وحتى البوليسية عن القيم العليا سواء كان ذلك في صلب الموضوع أو عبر تعليقات مقصودة في حوار شخصيات السيناريو. الدراما التاريخية مليئة بآلاف الجوانب التي يمكن من خلالها تأكيد القيم الفاضلة وتنوير المشاهد وتوعيته. حتى القصص القرآني يمكن تحويله إلى دراما، لا أقصد قصص الأنبياء وإنما الأمثال المذكورة في القرآن واللمحات القصصية الموجزة البليغة والتي لم تنل حقها من العناية والتدبر. في كل أنواع الدراما - تراثية أو عادية – يمكن إثارة قضايا نقاشية لتوعية المتلقى، المهم مراعاة الحرفية فى وضع هذا النقاش بحيث لا يبدو مقحما على السياق بل يتدفق طبيعيا مع سريان الاحداث منسجما معها معبرا عنها، وبطريقة تلقائية تبدو عفوية منطقية. بغير ذلك تسقط الدراما فى مستنقع الخطابية والوعظ المباشرفتفقد صدقيتها وتأثيرها.

ان الدراما السينمائية هى فن الصورة كما أن المسرح هو فن القول والحوار. الحوار فى الدراما السينمائية جزء فرعى لخدمة الصورة يلجأ اليه السيناريست المتمكن عند الحاجة فقط، إلا أن الدراما التليفزيونية تخففت بعض الشىء من قيود الكتابة للسينما فأصبح مسموحا به استخدام الحوار بصورة أعمق الى جانب الصورة، وهذا يعطى فرصة أكثر للانتاج الدرامى التليفزيزنى ليقوم بالتوعية عبر مناقشات فكرية بشرط ان تكون فى سياق الأحداث متناسقة معها وبحيث يصبح حذفها اخلالا بالتدفق الدرامى. هذا هو مقياس الجودة فى العمل الدرامى التليفزيونى الهادف للتوعية والتعليم ونشر ثقافة التسامح و الديمقراطية وحقوق الانسان.

 

ب – البرامج التليفزيونية

 لها جمهورها وتأثيرها، الا أن الواقع يشير الى هبوط شعبيتها بسبب تكرار نفس الموضوعات وتكرار نفس الوجوه. للخروج من هذه الأزمة تلجأ قناة الجزيرة – مثلا - الى اثارة نفس القضايا ولكن بصورة تجعلها متوافقة مع حدث راهن، ويقوم ما يسمى " بصراع الديكة " حيث يستضيف البرنامج اثنين مختلفين فى الرأى ليتشاجرا امام الكاميرا ثم يطلب مقدم البرنامج من المشاهدين الاشتراك فى المشاجرة.

نحن لا نحتاج الى هذا الشجار لأن لدينا موضوعاتنا التى لم يتم طرحها والتى لا تجرؤ القنوات الأخرى على مناقشتها، وحتى اذا جرأت على خوضها فليس لديها المقدرة العلمية على الامساك بدفتها.

ثقافة حقوق الانسان من داخل الاسلام لم يتم حتى الآن  مناقشتها بصراحة وموضوعية خوف المساس بما يسمونه الثوابت. أحيانا - لمجرد ابراء الذمة ولمسايرة الغرب ونفاقه – يتعرضون لقضية حقوق الانسان بصورة سطحية ومرتعشة ومن خلال منهج ملفق دعائى مبتذل يتحدث فى العموميات دون أن ينفذ الى جوهر المشكلة.

جوهر المشكلة المسكوت عنه يمكن التعاطى معه – مثلا – خلال تلك الأسئلة :  اذا كان الاسلام دين السلام فعلا فلماذا نبتت فى المسلمين ثقافة الارهاب وكيف تم الصاقها  بالاسلام ؟ اذا كان الاسلام صالحا لكل زمان ومكان لماذا وقع المسلمون فى التخلف ولماذا تنتشر الدعوة السلفية الماضوية ؟ اذا كان الاسلام دين الحرية والتسامح والديمقراطية والرحمة فلماذا يوجد لدى المسلمين هذا الاستبداد ورفض الديمقراطية، والشدة والتعصب والتزمت ؟ مئات الاسئلة من هذا النوع تحتاج الى نقاش موضوعى حر متحرريديره مفكرون حقيقيون ويناقشه مثقفون واعون بعيدا عن مروجى الخرافة والجهل والتعصب والتبذل والتخلف.

باختصار : لا بد من طرق المسكوت عنه من التراث والفتاوى والأحاديث وكل ما أسنده المسلمون من تشريعات وأقاويل وتفسيرات وفتاوى تخالف جوهر الاسلام وقيمه وفضائله. مناقشة هذه الموضوعات بجرأة واسلوب علمى يكفل النجاح السريع لبرامج تلك القنوات خصوصا اذا تم على قاعدة الايمان بحرية الرأى والفكر والعقيدة والتسامح الدينى واحترام حق الخلاف والاختلاف دون تكفير أو تخوين أو تحقير.

غير الموضوعات الفكرية المثيرة للجدل هناك موضوعات جديدة غير مثيرة للجدل ولكن اتفقت الفضائيات العربية على اهمالها حرصا على عدم المساس بالاستبداد العربى العريق والثوابت العربية الظالمة وثقافة العبيد. منها الواقع الحقيقى لتطبيق حقوق الانسان فى المجتمعات العربية. مثلا لدى النخبة جدل حول حقوق المرأة فى الاسلام ولماذا لها فى الميراث نصف ما للرجل – من السهل الرد على ذلك بطريقة قاطعة وغير معروفة للفقهاء المقلدين – ولكن القضية الحقيقية ان المرأة فى الواقع الاجتماعىفى الأغلب - لا تأخذ ميراثها أصلا، بل أن الأخوة الصغار الذكور غالبا ما يأكل حقوقهم الأخ الأكبرطبقا لما تعارف عليه الواقع العربى والمصرى. أن الواقع المعاش ملىء بما يجب نقاشه بعيدا عن الجدل الفقهى النظرى ووجوه المتحدثين المكررة وردودهم المعروفة المحفوظة.

أكثر من ذلك هناك الأغلبية المحرومة من حقوقها الانسانية والسياسية، من فقراء مطحونين، وأقليات مستضعفة، وهناك مئات الألوف من الابرياء دخلوا السجون ظلما بدون محاكمة بسبب قوانين الطوارىء والاشتباه ولمجرد تصفية حسابات أو لسادية السادة الضباط. هناك من يتعرض للتعذيب ويصل صوت صراخه أحيانا لمنظمات حقوق الانسان وقد لا يصل. وظيفة تلك الشركات  والقنوات ان تحتضن أولئك المظلومين، وأن تتشرف بأن تكون اللسان الناطق باسمهم والمدافع عنهم. هنا يكمن التسامح الحقيقى الايجابى، فليس التسامح فقط فى أن تغفر لمن أساء اليك بل قبل ذلك وبعده ان تهب لنجدة المظلوم وأن تقف الى جانبه فى محنته. لا بد من انتاج برامج تتحدث بأدلة واقعية عن المعذبين فى الأرض ؛ ضحايا التعذيب والظلم والتجاهل، فقد آن الأوان لكى يسمع العالم لصراخهم ويسعى لانصافهم.

 

ج -هناك برامج تجمع بين الدراما والمنوعات والكاريكاتير واللقاءات، تتضافر فيها الفكاهة مع الثقافة والمتعة مع الفكرة.بأفكار جديدة وجريئة يمكن أن تجد لها مجالا فى هذه الشركات  وتلك القنوات.

 

أخيرا :-

 

1- لا يمكن أن تواجه فكرا دينيا مسيطرا الا من داخل الدين الذى ينتسب اليه ذلك الفكر. من حسن الحظ أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم حجة على المسلمين وغيرهم، ومن حسن الحظ ان هذا الكتاب العظيم المحفوظ يؤكد على قيم الاسلام العليا من حرية المعتقد والعدل المطلق والسلام والتسامح والاحسان والرحمة والكرم والعفة والشجاعة. وعليه يمكن دعوة المسلمين الى الاسلام الحقيقى بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن عاند فحسابه عند ربه. المهم ألا يقوم باكراه الآخرين فى دينهم أو الدعوة لقتلهم أو قتالهم.

 

2- لقد كتبت "كفاية" المصرية نعيها فى بيانها الأخير الذى علقت به على ذبح السفير المصرى فى العراق. أن كفاية وأخواتها لا تزال اسيرة لثقافة العبيد  حين تصف الارهابيين القتلة فى العراق بالمقاومة الشريفة. لقد علقت آمالا كبيرة على " كفاية " واخواتها، وقدمت لهم النصح، فلم اجد استجابة، ثم حذرتهم آملا فى الاصلاح فى مقالى السابق " ثقافة العبيد " ولكن ضاع أملى بالبيان الذى يجعلون فيه الارهاب الأعمى مقاومة شريفة.

اذا كان بعض قادة المظاهرات بهذا المستوى فلا لوم على العوام المساكين. وبشرى للنظام المحتضر فسيعيش أكثر مما يحلم مستمتعا بثقافة العبيد !

 

 3- لتنوير النخبة والعوام معا أرفع هذا النداء لكل من يهمه الأمر بالبدء فورا فى أكبر حركة للجهاد السلمى  لتنوير المسلمين وتعليمهم ثقافة التسامح والديمقراطية وحقوق الانسان باستخدام القنوات الفضائية الحرة المستقلة. هذه هى لغة العصر ونلك هى وسائله.أن تكلفة قناة فضائية واحدة مع شركة انتاج خاصة بها لا تبلغ ثمن طائرة حربية، ولكنها ستنقذ آلافا ممن ستقتلهم تلك الطائرة الحربية.هي مهمة صعبة أن تواجه ثقافة العبيد التى تأصلت وترسخت عبر أحاديث مزورة وفتاوى مصنوعة، ولكن الفكر الحر الحق سيغلب فى النهاية، ثم – وهذا هو الأهم – لا بديل لنا الا الجهاد السلمى العقلى لانقاذ الضحايا الذين يفجرون أنفسهم – وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا – والضحايا الآخرين الذين يموتون بلا ذنب فى الأسواق والطرقات ووسائل المواصلات.. أمامنا الاختيار بين الجهاد السلمى أو الحروب الأهلية كما حدث فى افغانستان، وكما يحدث الآن فى العراق، وكما سيحدث فى بقية البلاد العربية اذا تأخرنا وماطلنا وتلكأنا.

 

4- لا يمكن اقامة الديمقراطية بدون ارساء ثقافة الديمقراطية والتسامح بديلا عن ثقافة العبيد..

 

sherifmnsour@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع