Middle East Transparent

1 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الديموقراطيون السوريون والاستحقاق اللبناني

اكرم البني

يحتل الاستحقاق الرئاسي اللبناني وموقف السلطة في سوريا منه حيزاً كبيرا من اهتمام الديموقراطيين السوريين بصفته واحدا من المجسات الدالة على المعنى الحقيقي لشعار التحديث والتطوير ولقراءة درجة التغير في العقلية السياسية الحاكمة، بعد النتائج والدروس التي خلّفها احتلال العراق، وارتفاع حرارة الضغوط المعلنة والمستترة على دمشق (...).

القضية مطروحة على هذا النحو، اما الاصرار على العقلية القديمة، عقلية الوصاية الوطنية والقومية، واخضاع كل شيء بما في ذلك العملية السياسية الجارية في لبنان لمواقف النخبة الحاكمة في سوريا واغراضها السياسية دون اعتبار  للآخر السوري واللبناني على حد سواء، واما التطلع لبناء علاقة جديدة بين لبنان وسوريا تأخذ في الاعتبار ما حصل من مستجدات اقليمية وعالمية، وتنأى بالدور السوري نحو احترام ارادة اللبنانيين في اختيار ما يجدونه مناسباً، وما يعنيه ذلك من احترام الدستور والعقد الاجتماعي الوفاقي الذي ارساه اتفاق الطائف، والانتقال الى بناء قاعدة من الثقة والتفاعل الخلاق بين الشعبين هي خير معين في التصدي للهجمة الاميركية الصهيونية.

في الحال الاولى لا جديد يمكن ترقبه بل مزيد من اليأس والاحباط ينذر باستمرار ما اعتدنا عليه من اخضاع كل شيء لمنظومة الوصاية بذريعة عدم النضج السياسي في المجتمع وتخلفه عن فك لغز العدو الخارجي ومخططاته وتاليا حق السلطة غير القابل للنقاش في تقرير مصالح الوطن واهداف الامة العربية وتكريس، ليس عملية احتكار السياسة فقط، وانما ا يضا الاستيلاء على الاقتصاد والناس والتصرف بالثروات العامة وتسويغ مصادرة الحقوق وشل هيئات المجتمع وتعطيل الحريات المدنية والسياسية وما يترتب على ذلك من ضرورة اللجوء الى القوة والقمع وردع كل من تسول له نفسه التطاول على هذه المنظومة. تستمد هذه المنظومة حضورها في الطرف اللبناني من تبلور ما يمكن تسميته طبقة سياسية باتت مصالحها تلتقي مع استمرار الدور السوري وتدعو الى تعزيزه تشاركها فئة متنفذة في الطرف السوي غير راغبة في مراجعة حساباتها واختياراتها في ضوء ما حصل من تطورات (...). اما في الحال الثانية فان مراجعة الدور السوري في لبنان واعادة النظر في حضور عقلية الوصاية فتنعكس آثارا ايجابية على روح التغيير واستحقاق الاصلاح الديموقراطي في البلاد، وايضا على شروط مواجهة التحديات الخارجية.

فمن جهة تعتبر هذه المراجعة اذا تمت (ويبدو انها لن تتم مع اعلان الرئيس لحود رغبته في التمديد وصدور قرار مجلس الوزراء بتعديل المادة 49 من الدستور اللبناني الذي ينتظر تصديق البرلمان) بداية جدية للالتفات صوب الداخل السوري وتخصيص الجهود الرئيسية للعناية به ومعالجة مشكلاته ما يضع حجر الاساس لاعادة بناء الشرعية السياسية على اسس جديدة.

صحيح ان النخبة الحاكمة في سوريا حازت شرعيتها بصفتها نخبة وطنية وذات رسالة قومية لكن الصحيح ايضا ان الشروط العالمية تغيرت وتغير معها هذا الشكل من فرض العلاقة بين السلطة والمجتمع ناهيك عن نتائجه الهزيلة والمحبطة (...).

ومن جهة اخرى اذا كان ثمة غاية استراتيجية في بقاء لبنان ساحة وفية لسوريا وجارا آمنا وتاليا تحديد اوليات العملية السياسية اللبنانية بدلالة التحديات الخارجية والاخطار المحدقة، فالاجدى ايضا تجاوز ذهنية الماضي وتغيير الطرائق والآليات القديمة التي حكمت العلاقة بين البلدين طوال عقود والمسارعة الى استثمار الاستحقاق الرئاسي لاظهار احترام الدستور اللبناني وارادة الناس والثقة بهم، الامر الذي  يوفر مناخات صحية لتفتح دور حقيقي للبنان في حماية المصالح والمصير المشترك، لا بديل منه في ظل اوضاع تسير نحو مزيد من حصار النفوذ السوري اقليميا والحد من دوره. فتحرير ارادة اللبنانيين يزيل كثيراً من الاسباب التي خلقت جوا من العداء للسياسات السورية كما يساعد على بناء عتبة راسخة من الثقة بين الشعبين تقطع الطريق على نيات الاعداء المشتركين ومخططاتهم، بينما الاصرار على العكس لا بد ان يستحضر اسبابا جديدة لتعميق الشروخ وزيادة الحساسيات بين لبنان وسوريا وبين اللبنانيين انفسهم (...).

بعد احتلال العراق لم تعد سوريا ذاتها ولم يعد لبنان نفسه وصارت من الاوليات المبادرة لصوغ علاقة مختلفة بين البلدين على اسس جديدة تأخذ في الاعتبار نتائج ما حصل وتميل نحو تغليب الثقة بالشعب اللبناني وخياراته وايضا دوره الوطني في حماية الخاصرة السورية. ولعله لم يقرأ التاريخ اللبناني جيدا من يكرر اثارة الشكوك باللبنانيين ويدعي بأن غالبيتهم لا تكن ودا لسوريا وسوف تسارع بمجرد تحييد الدور السوري الى احضان اعداء سوريا ومناهضيها، فالشعب اللبناني اظهر في اهم المحطات والمحن حرصا كبيرا على حياده، بل على عزم كبير في اسناد الشعب السوري (...) وتاليا لعب دورا متميزاً وقدم تضحيات ثمينة لافشال غير محاولة من قوى العدوان الغربي والصهيوني لاستخدام ارضه معبرا لتهديد المصالح السورية. ثم اين نحن واين دورنا من تقوية حبال الود والاحترام المتبادل؟ وكيف يستقيم نشر مثل هذه الشكوك مع مفاخرة البعض بأن الحكم في سوريا صنع في لبنان من الركائز والحلفاء ما يضمن له وضعا مواليا وآمنا لعقود من السنين؟!

طبعا تختلف الاجابات عن شدة حاجة السلطة السورية راهنا لفرض ارادتها على العملية السياسية اللبنانية ولماذا لم تعد تطمئن لأي بديل آخر وفيّ لسياساتها غير الرئيس لحود لتضع ثقلها في كفة التجديد او التمديد له؟! هل الامر دليل ازمة يعاني منها بعض قوى النظام تتكشف عجزا عن التكيف مع الجديد الحاصل وتخلفا عن ايداع طرائق ووسائل جديدة في آليات الحضور والمواجهة؟! ام المسألة مجرد محاولة للتلويح بأوراق القوة ردا على الضغوط التي ترتفع وتيرتها ضد سوريا؟! ام لعل القضية مجرد رسالة تحذير للخصوم من شر الدخول في لعبة كسر عظم باظهار عزم الارادة السياسية السورية في لبنان؟

لكنها رسالة تحمل في طياتها هذه المرة الكثير من المغامرة طالما يعرف الجميع ان من المرهق للحكم في سوريا وربما من الخطر عليه ايضا توتير الصراع في المساحات الاقليمية المتبقية والتصدي بجسده لها، وان فرض ارادته على الاستحقاق الرئاسي اللبناني لا بد ان يزيد من عزلته عالميا ويهدده بخسارة حلفاء محتملين كفرنسا والاتحاد  الاوروبي مثلا، هو في امسّ الحاجة الى عونهم في الظروف القلقة والعصيبة التي تمر بها المنطقة. يتضح اذاً، ان الشأن اللبناني صار في اكثر من وجه ومعنى شأناً داخليا سوريا وتبدو المطالبة برفع الوصاية عن العملية السياسية صنو الدعوة لرفع الوصاية عن الشعب السوري واطلاق دوره في الحياة العامة فلا يمكن النظر الى مسار العملية الديموقراطية في سوريا في معزل عن تقدمها في سلوك النظام السوري تجاه لبنان. والاصلاحيون السوريون يجدون في تصحيح الدور السوري واعادة النظر في مفردات الوصاية ومنطقها ليس المدخل الوحيد الناجع لبناء علاقة صحية مع لبنان تمنحهما معاً القوة والمنعة ضد نيات الخارج ومخططاته المغرضة فحسب، بل ايضا بصفته احد منافذ العبور لتخفيف حضور الاستبداد واللغة الامنية والسير نحو الانفتاح السياسي والبناء المتدرج للديموقراطية (...).

(دمشق)

 

للتعليق على هذا الموضوع