16 أغسطس 2005

 

 

 

"صدى البلد" تفتح ملف الدواء في لبنان: من يتحكم بالسوق؟ ومن يحمي الاحتكارات؟

 

ننقل هذا التحقيق الممتاز عن جريدة "صدى البلد" اللبنانية. وقد سألنا أحد "المختصّين" عن موضوع الدواء، فقال أن ما لا تشير إليه الصحف عادةً هو استفادة بعض الأحزاب السياسية، وبالدرجة الأولى "حزب الله"، من تجارة الدواء. وبصورة خاصة، من تجارة الأدوية "المزوّرة"، أي التي يتم تصنيعها بدون ترخيص من المنتج. وأضاف أن هذه الأحزاب السياسية هي التي فرضت على وزارة الصحة إدخال الأدوية المزوّرة (كما يشير تحقيق "صدى البلد") ضمن القوائم الرسمية لوزارة الصحة في لبنان.

*

 

انتعش أملنا الأسبوع الماضي ببعض ملامح محاربة الفساد تبديها حكومة السنيورة. وننتظر أن تفتح جميع ملفات الفساد السبعة عشر، ملفـّاً ملفـّاً كل أسبوع (ومنها ملفات الكهرباء والخلوي والمحروقات وخدمة الدين والأملاك البحرية والدواء ومافيا سوق المال وصندوق الجنوب وصندوق المهجرين ومجلس الانماء والاعمار، الخ).

وعلى أمل أن نعالج الملفات الـ17 في مقالات أخرى نبدأ هنا بملف الدواء.

 

يستحق وزير الصحة محمد خليفة وساماً ليس لأنه فتح ملف الدواء بعد كشفه عن رفض تسديد معاملات مزيفة من المستشفيات قبل أسبوعين. ولكنه سيستحقه إذا ذهب في تطهير حقيبته الوزارية الى الآخر. ومنذ شباط الماضي أعلن خليفة أنّ فاتورة الصحة في لبنان هي الأعلى في العالم نسبة لعدد السكان حسب تقرير البنك الدولي (ورد أصحاب المستشفيات أن هذا قد لا يكون صحيحاً بدليل أن كلفة الولادة في لبنان هي 400 دولار وفي أميركا 5000 دولار). وقال خليفة أنّه سيبذل الجهد لخفض أسعار الدواء بقيمة 20 بالمئة.

 

ولقد التقى خليفة الأسبوع الماضي مع مجلس نقابة الصيادلة وكان اتفاق على آلية مشتركة لخفض سعر الدواء وعلى العمل مع نقابة مستوردي الأدوية لتحقيق هذه الغاية وجاء أن بعض اسعار الأدوية بدأ يخفض بفارق 150 في المئة. وكان نقيب الصيادلة زياد نصور قد أثار موضوع دخول أدوية غير مسجلة ("هناك بعض الشوائب التي لن نقبل باستمرارها، مثل دخول أدوية غير مسجلة داخل الاراضي اللبنانية ولم تأخذ اذنا بالدخول من وزارة الصحة العامة"). كما أشار الى موضوع المستوصفات والعمل على تأليف لجنة مشتركة بغية الكشف والاطلاع على سير أعمالها "لأننا لا نعرف من يقدّم الدواء للمرضى في بعض المستوصفات سواء كان الطبيب او الصيدلي او السكرتيرة".

 

مافيا الدواء

وأول ملاحظة نبديها هي: إذا كانت الأسعار التي دفعها الناس لا سيما الفقراء فاقت السعر الحقيقي بمرّة ونصف أحياناً فكم كانت الخسارة الحقيقية للشعب خلال 15 عاماً وما هو المبلغ الذي ذهب الى جيوب مافيا تجار الدواء؟ وما دور وزارة الصحة طيلة هذه الفترة تحت سقف المادة 80؟

يبلغ حجم سوق الدواء في لبنان (صيدليات ومبيعات عبر المستشفيات والمستوصفات) 600 مليون دولار أو 4 في المئة من الدخل القومي اللبناني. ويقول الطبيب اسماعيل سكرية، مؤسس الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية، إن الشعب اللبناني يدفع 300 مليون مليون دولار زيادة عما يجب أن يدفعه لحاجيات الأدوية لو استلم الدواء كما هو متوفر في الأسواق العالمية. يعني هذا أن الدواء في لبنان يباع بضعف سعره الحقيقي. وإذا احتسبنا هذا المبلغ أو نصفه خلال 15 عاماً لبلغ النهب 2،5 مليار دولار. هناك احتكار لتجارة الأدوية ومافيا قرصنة واستيراد وتهريب ولا شك أن هذه المافيا مدعومة في تصرفاتها بدءاً بالوكالات الحصرية وصولاً الى التسعير العشوائي حسب لوائح سعر المفرق لبضائع تأتي بسعر الجملة.

 

وتحت النظام الحالي المعمول به منذ العام 1965، فإن الصيدلي يحصل على تخفيض قدره 22،5 في المئة عن سعر الاستيراد والتاجر الذي يقوم بالاستيراد يحصل على 10 في المئة وللحكومة 5 بالمئة. وحسب هذا النظام أيضاً فإن المستوردين يشترون الدواء بالسعر نفسه الذي يباع به بالمفرق في بلد المنشأ. وهذا يعني أن أسعار الأدوية المستوردة في لبنان هي دائماً أعلى من سعرها في سوق بلد المنشأ والمصيبة أن 90 في المئة من الأدوية المباعة في لبنان هي أدوية مستوردة. ويقوم تجار الأدوية وعددهم 50 تاجراً باستيراد أدوية بقيمة 300 مليون دولار وتحصل الخزينة العامة على 7 ملايين دولار كرسوم وجمارك.

 

تخفيض سقف التسعيرة

يقول البند 80 من قانون الصيدلة ان وزارة الصحة هي المسؤولة عن وضع لائحة أسعار الأدوية التي على الصيادلة اتباعها. وسمح تعديل المادة 80 عام 2002 للصيادلة بتخفيض الأسعار للمنافسة لمصلحة المستهلك. وهناك في لبنان 1000 صيدلية وهذه الصيدليات هي صغيرة ومستقلة وملك لعائلات ولا يوجد شركات صيدلة كبرى ذات فروع مثل تلك التي في فرنسا وكندا للاستفادة من حجمها لعرض أسعار مخفضة على الأدوية. وحتى أكبر صيدلية في لبنان تشكو من أن خفض سقف الأسعار أثر في مستوى أرباحها.

ولقد اعترض الصيادلة أنّ تعديل المادة 80 أضر باشغالهم وساهم في انعاش السوق السوداء إذ لجأ الصيادلة الى منافسة بعضهم البعض بعرض بضائع مزيفة أو مهربة أو مقرصنة.

 

وتقول نقابة الصيادلة أن طلاب كليات الصيدلة يفقدون الأمل في القطاع وباتوا يبحثون عن بدائل للهجرة الى أميركا وأوروبا. وبرأي نقابة الصيادلة فإن تخفيض سقف التسعير حوّل الصيادلة الى تجار والمريض الى مستهلك يهمه السعر أولاً. وبرأي الكثيرين بإنّ قرار الوزارة سمح بتداول واسع للأدوية المقرصنة ولم يحقق غايته في تخفيض أسعار الأدوية الأصلية ووصولها الى أيدي الناس بأسعار معقولة.

 

دعم الصناعة الوطنية بدل الاستيراد

ومهما خفضت أسعار الأدوية فهي حتماً ستبقى دون متناول المواطن العادي والفقراء وذوي الدخل المحدود. حيث يصل سعر بعض الأدوية الى 500 ألف ليرة وأكثر. وعندما يحتاج المريض قارورة كل أسبوع أو شهر فماذا يفعل؟ وإذا تكفلت وزارة الصحة بتسديد الثمن فمن أين يأتي المال؟ أليس من خزينة الدولة التي جمعته عبر الضرائب أو الاستدانة باسم الشعب ومن الشعب؟ وألا يشكل ذلك ضريبة مستقبلية على كاهل الناس؟

 

لقد اقترحت لجنة برلمانية دعم الصناعة الوطنية بدل الاتكال شبه الكلي على الاستيراد والتهريب ذلك أن الدواء المصنّع محلياً لا يمثل أكثر من 6 في المئة من السوق اللبناني التي تزدحم بأدوية أصلية باهظة الثمن وأدوية مقرصنة وأدوية عديمة الجدوى وأخرى انتهت صلاحيتها وأدوية ممنوعة ولكنها متوفرة في لبنان (وثمة جدول تنشره منظمة الصحة العالمية يتضمن لوائح الأدوية الممنوعة وكثيرها يدخل لبنان). وهناك عقبات أمام تطوير الصناعة المحلية منها تفضيل اللبناني للدواء الفرنسي أو الألماني أو الأميركي وعدم ثقته بالدواء المحلي أو العربي. ولذلك دعت اللجنة البرلمانية الى زيادة التوعية والتوجيه لدى المواطنين والأطباء والصيادلة حول ميزات الدواء الوطني التفاضلية. والمشكلة في توصيات اللجنة أنها طويلة الأمد ولا تعالج المشاكل الآنية.

 

أدوية "طبشور" و"بونبون"

ثمّة 3400 دواء متوفر في لبنان منها 400 دواء مزوّر. وهذه الأدوية المزورة والمنسوخة قد تشبه الأصلي كثيراً كما أن وزارة الصحة تميل الى تسجيل بعض الأدوية حتى لو كانت مزورة فتصبح شرعية رغم أنها قد تكون مجهولة المصدر (وقد تكون محقة في ذلك إذا كان دواء جنيريك). ولقد شكا الناس طويلاً من أدوية مزيفة غير نافعة مصنوعة من مواد طبشورية وكيماوية أو من أدوية سائلة هي عبارة عن مزيج سكري لا يختلف مفعوله عن "بونبون" الأطفال. ويعمل قسم الصيدلة في وزارة الصحة مع الصيدليات في أنحاء لبنان لمكافحة القرصنة والتزييف ومراقبة أكثر من 400 دواء مزيف. وتتم مراقبة دخول الدواء عن طريق المطار والمرفأ. والكثير من الأدوية المعروضة في السوق لا يمكن معرفة أنها مزورة من شدة اتقان تقليدها: اللون والحجم والتعليب والرقم المتسلسل والكتابات. وحتى الأطباء والصيادلة لا يعرفون أنها مزيفة. وقد تعرّض الأدوية المزورة الناس لخطر الموت. إذ أنّ المريض الذي يحتاج الى أدوية مضادة للعضويات قد يتناول دواء مزوّر ينتهي به الى وجع مبرح وتدهور في حالته الصحية. أما مرضى السكري فهم قد يفقدون الوعي دون أن يدركوا أن سبب تدهورهم هو تناولهم لدواء مزوّر. وهناك أنواع عدة من أدوية يتم تزويرها مثل "البنادول" و"أوغمنتن" و"كسانكس" و"تنوريتك".

 

لوبي شركات الأدوية يربح دائماً

ولا يمنع أن تكون بعض أدوية "التقليد" تحتوي على مواد طبية مثل الدواء الأصلي وهي معروفة عالمياً تحت اسم generic drugs ولكن نقابة الصيادلة لا تريد أي دواء خارج اللائحة التقليدية التي ربما تدرّ أرباحاً أكثر، رغم أن الأدوية الجنيريك أصبحت مطلوبة جداً في دول العالم الثالث وأن مطلب منعها تقوده شركات الصيدلة العالمية بهدف الربح وحرمان الشعوب الفقيرة. ولطالما طالبت الدول الافريقية من دول مجموعة السبعة تخفيض اسعار الأدوية وتقديمها بأسعار رمزية لفقراء العالم ولكن لوبي شركات الأدوية يربح دائماً (فلنتصور موت ملايين الأفارقة كل عام بسبب غياب دواء لمعالجة السيدا بالسعر المناسب).

 

تعرّف منظمة الصحة الدولية الصحة بأنّها الحالة الفضلى لكيان الفرد جسدياً ونفسياً واجتماعياً في مختلف مراحل حياته. ويبقى السؤال الوجداني: هل الطبابة والدواء من حقوق الانسان في لبنان أم لمن يستطيع أن يدفع فقط؟

 

الدواء الرخيص يسجل ولا يباع

يشرح النائب اسماعيل سكرية آلية عمل المافيا لمنع تخفيض الاسعار , ويقول"ان هناك حوالى 5 آلاف دواء مسجل في لبنان ونجد في السوق ثلاثة آلاف وتسعمائة دواء متداول، أما الفرق العددي بين المسجل والمسوّق فيعود الى حيلة الالتفاف على القرار 1/90 الذي سمح باستيراد الدواء على أن يكون سعره أقل بـ 25 في المئة عن السعر الموجود، فأصبح التاجر يستورد الدواء الرخيص ويسجله ولا ينزله الى السوق، كي يمنع غيره من تسويق أدوية بسعر رخيص في السوق، وهذا العمل فقط "للقوطبة" ولا يحقق أرباحاً".

 

كما نجد في سوق الدواء حوالى 300 الى 400 صنف من الأدوية غير القانونية وتنقسم الى نوعين فإما ان تكون مزورة ومجهولة المصدر أو مهربة. وتركيبتها مختلفة عن الدواء الأصلي، وذلك في ظل مختبر مركزي مشلول لا يفحص سوى التركيبة الكيميائية لنحو 50 في المئة من الأدوية فقط، من دون ان يتطلع على نوعية وجودة الدواء ومدى فعاليته وأمانه.

(د. كمال ديب- صدى البلد)

 

للتعليق على هذا الموضوع

"ali wehbe" <aliwehbe@hotmail.com>

Date: Wed, 17 Aug 2005 05:43:17 +0000

 

It would be more a Trusted article if the writer would

explain or present the proof of the political party accused

in his introduction.

Not defending anyone but I am sure they wont too

Everyone is against corruption, so let the files be open

Its Time