
9 شباط/ فبراير 2004
وثائق القطيعة بين أسامة بن
لادن ومشايخ الصحوة
تؤرّخ الوثائق التالية، التي وضعها
زعيم القاعدة السابق في السعودية (قتل في اشتباك مع قوى الأمن في يونيو 2003)،
يوسف العييري، ومؤرّخه، للإنفصال الحاصل، منذ 11 سبتمبر 2001 بصورة خاصة، ما بين
"مشايخ الصحوة" السعوديين (المشايخ سلمان العودة، وسفر الحوّالي،
وناصر العمر، ومحسن العواجي، إلخ) وتيّار أسامة بن لادن الذي يعتبره البعض
تيّاراًً "تكفيرياً"، مع أن بن لادن وجماعته قد ينفون عن أنفسهم مثل هذه
التهمة. لقد كانت الخلافات بين الجناحين قائمة قبل عمليات نيويورك، ولكن العييري لا يخطئ حينما يركّز على أن هذا
التاريخ كان فاصلا. فيقول: " تعهد سلمان لفريدمان في المقابلة التي
أجراها معه في بيته ، بأن مشروعه القادم سيكون منع تكرار أحداث سبتمبر".
وكما بات أسامة بن لادن "رجل
الكهف"، حسب تعبير رئيس المخابرات السعودية السابق، الأمير تركي الفيصل، فإن
الفكر الذي ينادي به يوسف العييري يعني القطيعة مع العالم الخارجي ، ويعني إهدار
دماء كل من يشذّ عن الخط "اللادني"، بدءاً بـ"الزنديق" فهمي
هويدي، و"الزنديق" حسن الترابي، وإلى تكفير علماء العرب الماضين وأقربهم
إلينا الشيخ عبدالله العلايلي.
ولا حرمة
للدماء في هذا الفكر التكفيري:
"الشيخ أسامة قال
للأخوة : من لي بأحمد مسعود فقد آذى الله ورسوله، فانتدب بعض الأخوة أنفسهم لاغتياله واحتساب
الأجر والثواب من الله الكريم وحصل ما سمعتم من خبر مفرح
.." وهكذا يصبح
أسامة بن لادن، في آنٍ معاً، المفتي، والقاضي، و"مقاول" إعدام بطل
المقاومة الأفغانية ضد السوفيات. (تعبير "المقاول" كان لقب أسامة بن
لادن في مراسلات جماعة "الجهاد" المصرية أيام تواجدها في السودان واليمن).

أو:
"الزنديق فهمي هويدي: أنا أقول بأنه
يجب قتله"، بكلمات العييري نفسه.
لكن المشكلة
التي تطرحها هذه الوثائق الجديرة بالقراءة هي أن العييري نفسه، وبن لادن،
وأنصارهم، هم الأبناء الروحيين لمشايخ "الصحوة" المعارضين
للنظام، ولشيخ المتشددين السعوديين وصاحب "الفتاوى" العلنية
و"السرّية" (الفتوى السرية بدعة جديدة في الإسلام، حسب علمنا)، حمود
العقلا الشعيبي. وهم أيضاً أبناء الجناح الأكثر تطرّفاً في "هيئة كبار
العلماء" الوهّابيين، مثل بن عثيمين وبن جبرين. وكان النعي
"المدهش" الذي أصدره بن لادن والظواهري عند وفاة الشيخ الشعيبي قد أثار
شكوكاً بأن هذا الشيخ المسنّ ربما كان صاحب الفتوى السرّية التي "أجازت"
عملية 11 سبتمبر 2001.
وينقل العييري
عن الشيخ بن عثيمين أنه "أجاز" لجماعة "أبو سيّاف"
الفيليبينية خطف "النصارى الأجانب". والمقطع التالي يستحق القراءة: " قال الشيخ (بن عثيمين) هل رئيس الفلبين مسلم ؟!- يسأل الشيخ سؤالاً استنكارياً
- قالوا لا هو صليبي ، قال : إذاً من عاهدهم؟ إذا لا يمكن لكم حماية أنفسكم ودينكم وأعراضكم
إلا بذلك فافعلوا واجتنبوا قدر الاستطاعة خطف
النساء والصبيان..."، كذلك نقل لنا الثقات أن الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله أفتى لهم بنحو هذه الفتوى وأجاز فعلهم
عندما زاروه وسألوه".
وهم، أولاً وأخيراً، نتاج
المدرسة النجدية الوهابية التي تكفّر معظم مسلمي العالم، ليس شيعتهم فقط،
بل ومالكييهم وشافعييهم ومتصوّفتهم جميعاً.
وكلمة أخيرة، فالفكر
"اللادني" لا يتعارض مع توجّهات "مشايخ الصحوة" وحدهم، داخل
المدرسة الأصولية.
فـ"اللادنية" تمثّل الخط
"الدولي" في الحركة الأصولية الإسلامية. وهذا الخط لا يحظى
بتأييد جماعات كثيرة، حتى ضمن جماعات "الجهاد" المصرية السابقة، وتفرّعاتها.
ويأخذ الكثير من قادة هذه الجماعات على أسامة بن لادن والظواهري خطّهما "الدولي"
تحديداً. ويفضّلون عليه الجهاد "المحلّي" ضد أنظمتهم الحاكمة.
وبين هؤلاء المعارضين لـ"اللادنية الدولية" رفاعي طه، الأمير السابق
للجماعة الإسلامية المصرية، الذي ربما كان استدرج إستدراجاً للتوقيع على
بيان "الجبهة العالمية".
ولكن المشكلة هي أن هؤلاء لا يرغبون في التنديد
بعمليات أسامة بن لادن (الإستثناء الوحيد كان عمليتي السفارتين الأميركيتين في
كينيا وتنزانيا، التي أدانها أصوليون سعوديون ومصريون، إدانةً خافتة) حتى لا
يوصموا بالوقوف مع أميركا.
كلمة أخيرة حول الشيخ
سلمان العودة
ولا بد من كلمة حول فضيلة الشيخ سلمان العودة. فهو شخصية
"كاريزماتية"، وإبن عائلة عريقة في الجزيرة العربية، وشخصية إسلامية
تحظى باحترام واسع داخل المملكة وخارجها. ولكنه شخصية تثير الحيرة والعتب.
فـ"في الليلة الظلماء يفتقد البدر".
أدان الشيخ سلمان عملية
11 سبتمبر 2001. ولعب الدور الأساسي في "بيان المثقفين السعوديين إلى
المثقّفين الأميركين"، الذي كان حدثاً بحد ذاته، ثم تراجع عنه. واتخذ مواقف
معتدلة تجاه المواطنين الشيعة في المملكة، ثم قال كلاماً أثار استنكارهم على
"الجزيرة" قبل أسابيع... وانتظر الناس أن يطوّر فكره
"التنويري" بمزيد من الصراحة، ولكنه قيّد نفسه باستمرار بقيود البيئة
النجدية المغالية. و":مآخذ" العييري عليه، التي نسردها في المقطع
التالي، قد تكون هي نفسها "حسنات" الشيخ سلمان في نظر كثير من الناس.
وينقل عنه يوسف العييري ما يلي:
" ما أحزننا من أقوالك التي نقلت عنك
قولك ( لا ينبغي أن ننشغل
بمعركة جانبية مع الشيعة، وأبيت أن تطلق عليهم أسم الرافضة، وملت للتطبيع معهم ) وقلت ( تركي الحمد لا أستطيع أن
أكفره بالروايات ) وقلت (القرضاوي شيخ فاضل يمثل الإسلام في الخارج وتدافع عنه بقوة وتغضب على من ينتقده) وقلت ( لو استقبلت من أمري ما
استدبرت ما أخرجت ردي على الغزالي ) وقلت ( نعذر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده
لدخولهما الماسونية فظروفهما ربما كانت تقتضي ذلك ) وقلت ( قيادة المرأة للسيارة لماذا جعلتموها معركتنا رغم أنه لا دليل معنا
على المنع ) وقلت (النقاب
بوضعه الحالي ليس محرماً وفتوى الفوزان في تحريمه غير صحيحة ) وقلت (الإسبال بدون خيلاء ليس فيه شيء
) وقلت ( سفر المرأة بدون محرم ليس فيه محظور إذا كانت مع مجموعة نساء ) وقلت ( لا مانع من اقتناء الدش ومشاهدة قناة الجزيرة
واقرأ والشارقة ) وقلت ( إنه لا شيء في سماع
الموسيقى التي تتخلل نشرات الأخبار) وقلت ( كتب أئمة الدعوة النجدية فيها تشدد وتجرئ على التكفير وتنصح
بعدم قرائتها ) وقلت (
الذهاب إلى الشيشان حماقة ) وقلت ( ليس شرطاً أن يمتد الإسلام ويقوم بالسيف بل اللسان
والدعوة تفعل ذلك،) وقلت ( نوافق منصور النقيدان في طرحه عن الإمام أحمد ولكن نخالفه في الأسلوب ) وقلت ( مجموعة الكتاب أمثال
النقيدان والحامد والضحيان نحتويهم ولا نواجههم).
هذا كلام مجدّد، وجريء، وتحديثي. وهو
كلام لم يعتد الناس سماعه من مشايخ الوهابية. فمتى يخرج الشيخ سلمان العودة من
عالم "بريدة" و"القصيم" إلى عالم المليار مسلم، بل أبعد..
إقرأ النصوص:
مناصحة
سلمان العودة بعد تغيير منهجه