6 يناير 2006

 

 

 

كلمتي للإخوان المسلمين.. حرب بلا دماء

جمال البنا

 

 

  في كلمة سابقة أوضحت أن الموقف الطبيعي، وفي الوقت نفسه المطلوب.. والممكن أيضا، هو أن يمثل الإخوان المسلمون في مجلس الشعب معارضة صلبة، مثابرة، منظمة، أمينة، والقيام بهذه المعارضة ليس أمرا هينا. إنها حرب بلا دماء ومعركة دون قتلي، وإن كان فيها النصر أو الهزيمة، ولعلها هي التي أرادها المؤرخ العسكري الألماني كلاوزفيتش عندما قال إن الحرب هي إدارة السياسة بطريقة أخري، "والعكس صحيح بمعني أن إدارة السياسة قد تكون الحرب بطريقة أخري".

  لست في حاجة لأن أقول لكم إن في أصل وجذر كل معارضة قوية، ناجحة إيمانا بهذه المعارضة، إنها الجهاد المقدس للكشف عن الأخطاء التي تدمر كيان البلاد وتحول دون إصلاحها، لأننا لا نستطيع أن نرم جرحا علي فساد، أو نبني علي أنقاض فالذين ينقدون النقد أو يعارضون المعارضة إنما يعملون للإبقاء علي الفساد والاستئثار بالسلطة وكل النقائص المدمرة والذين يطالبون بعمل إيجابي نقول كيف نعمل.. وهذه الأوضاع السقيمة تفرض نفسها.

  إن صلابة هذه المعارضة لا تتطلب إيمانا عميقا فحسب، ولكنها تتطلب أيضا نفسية مقاتلة، محاربة، وأنا أضع يدي علي قلبي، فالإخوان منذ سنة 1948 قد فقدوا زمام المبادرة، ونفسية المحارب. وركنوا إلي القعود وتأثروا ولو إلي حد ضئيل بالاسترخاء البرجوازي. نعم إنهم صمدوا لتعذيب عبد الناصر، ولم يفقدوا إيمانهم ولا تماسكهم، ولكن الصمود شيء والنفسية المقاتلة شيء آخر. فهل يمكن للإخوان أن يلبسوا لبدة الأسد وأن يكون لهم قلب الأسد، بعد أن استكانوا وألقوا المساومات والصفقات، قد يكون مما يوجد الأمل أن في الإخوان جيلا جديدا شابا يريد أن يأخذ حظه وثوابه في الكفاح والجهاد.

  يجب أن تعلموا أيها الاخوة أن مجلس الشعب تحكمه لائحة، وهي ككل لائحة إنما توضع لتعزز سلطات الرئيس ولتجعله يهيمن علي الجلسات وهي تعطيه حقوقا واسعة في إدارة الجلسة وتوجيه نشاطها وقد يكون تحت يده طلب موقع عليه من عشرين عضوا بإغلاق باب المناقشة، وهو لا يتردد في استخدامه عندما يجد نفسه في مأزق.

  تذكروا أيها الأخوة أنه قد كان لكم في انتخابات 87 ثلاثون نائبا، وكان لحزب العمل مثل ذلك "30 نائبا" ولأحزاب معارضة أخري ثلاثون، أي قرابة تسعين نائبا، ومع هذا فإن رئيس المجلس رفعت المحجوب استطاع بمقدرته ودهائه أن "يحجم" هذه المعارضة ويحول دون أن تصل إلي طائل، لأنه أتقن اللعبة بما فيها من محاورة ومداورة وفارق الدنيا وفي أدراجه المغلقة مشروع كامل عن تطبيق الشريعة تم بإشراف الدكتور صوفي أبو طالب.. والله أعلم أين هو الآن.

  وفي الوقت نفسه، فإن وجود خمسة أعضاء بارزين، صامدين توفر فيهم الإيمان والكفاية والدراية والتمكن علي رأس الدكتور محمد حلمي مراد الذي خسرناه ونحن أحوج ما نكون إلي حكمته وشجاعته وأستاذيته، دفعوا السادات لحل المجلس، وإنه لمن المؤسف أن لم يدخل المجلس رؤوس المعارضة مثل عادل عيد، وأبو العز الحريري والبدري فرغلي وفكري الجزار، وإن كان النائب "المشاغب" الذي أتقن فن المعارضة الأستاذ كمال أحمد قد نجح، ولكن يبدو أن الحزب الوطني قد استقطبه ووضعه علي رأس إحدي اللجان.

  الواجب الأول عليكم أيها الاخوة هو دراسة اللائحة دراسة عميقة مفصلة والتعرف علي طرق اختراق ما وضعته من حمايات لرئيس المجلس ولابد للاستعانة في هذا بخبرة القانونيين.

  ويجب وضع خطة لطريقة المعارضة وتنظيم الصفوف ومن يقوم أولا وكيفية المساندة وطريقة الرد علي الخصوم والتعامل مع رئيس المجلس وماذا يكون الحال إذا احتدم الخلاف ما بين المعارضة والرئيس؟! هل يكون هناك انسحاب يفترض أن يأخذ شكلا "دراماتيكيا" يثير شهية الصحافة؟

  إن من المهم مع الصلابة في المعارضة ألا تُسِف أو نقع في خطأ.

  أقترح أن تستفيدوا من خبرة الأستاذ عادل عيد والسيد فكري الجزار الذي كان شيخ المعارضة بكل الطرق الممكنة، اذهبوا إليهما وتعلموا منهما أو ادعوهما ليقدما لكم زبدة خبراتهم، واستبعدوا كل الحساسيات وأعتقد أنهما أيضا لن يرفضا، ولن يضنا عليكم بثمرات خبرتهما.

  يعزز هذه الفكرة أن معظم المرشحين الناجحين من الإخوان هم ممن ليس لهم خبرة أو تجربة أو لم يدخلوا المجلس من قبل، وما لم يتعلموا علي أيدي السابقين فسيهدرون وقتا ثمينا ويقعون في أخطاء تحسب عليهم.. ولا يضير الجاهل أن يكون جاهلا إذا كان موقفه السكوت، أما عندما يكون واجبه الكلام والتصدي والمعالجة إلخ.. فلابد أن يتعلم أولا حتي لا يشهد الناس علي جهله ولا تأنفوا، فالعلم أكبر من كل فرد. إنه البحر، وهل يستطيع أي بحار أن يستوعب البحر كله..

  وأخيرا يجب تحديد موضوعات المعارضة، وقد أشرنا في كلمة سابقة إلي استبعاد الموضوعات الهامشية العارضة التي لا قيمة لها في حياة الناس ولا تؤثر علي معاناتهم لجحيم الحياة التي فرضتها سياسة الحزب الوطني لإثراء الأثرياء ولإفقار الفقراء، واحذروا أن تقعوا في فخ أن الدولة الرشيدة هي دولة الفضيلة، إن الفضيلة ليست دور الدولة، ولكن الأمة، والمجتمع، أما الدولة الرشيدة فهي دولة العدل، وهذا ما يجب أن تحاسب عليه بكل قوة لأنها تقوم بما تفرضه من ضرائب مباشرة وغير مباشرة علي الناس ومن أوجب الواجبات إنفاق هذه الأموال في مصلحة الشعب وعلي خدمته، وعلي تيسير حياته من تعليم أو علاج أو بحث علمي أو مرافق وخدمات لا أن تذهب إلي رئاسة الجمهورية، وإلي وزارة الدفاع ولا إلي وزارة الداخلية ليبنوا بها قصورا بعد قصور وسجونا بعد سجون ولاستيراد العربات المصفحة.

  إن عليكم أن تركزوا المعارضة ـ طوال الدورة ـ في ثلاثة موضوعات رئيسية هي:

  أ ـ الحريات.

  ب ـ مقاومة الفساد وتعريته والضرب بيد من حديد علي الذين يشيعونه.

  ج ـ السياسة المالية التي لا نعرف لها رأسا من ذيل، أو أصلا من فصل ونفاجأ كل يوم بأخطر القرارات الاقتصادية من خصخصة وإدماج وبيع، فضلا عن الإنفاق علي العاصمة وحرمان القرى والصعيد.

 

كلمتي للإخوان المسلمين..1

 

للتعليق على هذا الموضوع