16 يونيو 2005

 

أمريكا التي لا نعرفها

جمال البنّا

 

  عندما تذكر أمريكا في الدوائر العربية والإسلامية فإن الانطباع السائد هو أن أمريكا هي بلد المستر بوش ومجموعة المحافظين الجدد من الصقور ودعاة الحرب وأنها البلد التي تضم أكبر عدد من الإسرائيليين ويمارس مجلسها ضغوطاً على صناع القرار بحيث تكون السياسة الأمريكية متحيزة لإسرائيل تساندها وتصد عنها احتجاج العالم بأسره بحكم "الفيتو" الذي تملكه في مجلس الأمن وأنها بلد "الكاوبوي" وسياسة المسدس والقبضة الحديدية وأنها بلد السينما، وما تقدمه في بعض الحالات من أفلام هابطة... إلخ.

 

  ليست هذه هي كل أمريكا، إنها صورة لأحد أحزابها ولفئة محدودة العدد من سكانها استطاعت أن تهيمن على "الميديا" وسائل الإعلام، كما استطاعت بما حققته من ثروات أن توجه الاقتصاد وجهة الرأسماليين الطليقة أن أمريكا -ككل دولة- لابد وأن يوجد فيها من يشذون عن السياق. أما أمريكا الحقيقية، فهي أمريكا "الشعب" الشعب العامل، المكافح، الذي يخضع للقانون، ويتسم بما تضفيه الثقافة والحضارة. إن أمريكا اكتسبت قوتها بفضل الملايين من الجنود المجهولة، علماء وفلاحين وأساتذة جامعات، وطلبة كلهم يعملون لما يؤمنون أنه الخير والديمقراطية.. أمريكا التي لا نعلمها هي أمريكا العلم والبحوث والاكتشاف والاختراع.

 

  أقول هذا لمناسبة ما قرأته عن زيارة وفد إسلامي لبناني كان قد وضع فكرته الشهيد رفيق الحريري عندما زاره بعض الأمريكيين وتبادلا الحديث وعجب الوفد الأمريكي لما قاله رفيق الحريري عن الإسلام وقال "لماذا تحتفظون بهذه الآراء لأنفسكم، لماذا لا تحملونها إلى الرأي العام الأمريكي". وتطبيقاً لهذه الفكرة سافر وفد عربي يضم القس جرجور من سوريا والقاضي عباس الحلبي ومهدي عبد الهادي من فلسطين (الذي اعتذر في آخر لحظة) ومحمد السماك وهو الذي قص علينا قصة مداولات وزيارات هذا الوفد ونشرها على الإنترنت.

 

  أجرى الوفد سلسلة من اللقاءات، فتقابل مع رئيسة الاتحاد العالمي للكنائس في جنيف -وهي قسيسة- الدكتورة كليفتون كيرك التي ترأس كذلك الكنيسة المشيخية الأمريكية وهي التي أسست سنة 1860 الجامعة الأمريكية، في بيروت وكلية البنات التي تعرف الآن باسم الجامعة اللبنانية الأمريكية.

 

  كما أنها صاحبة قرار سحب الاستثمارات من إسرائيل لمواصلة سياسة تهويد القدس وزرع المستوطنات.. إلخ.

 

  وتحدث الوفد عن ندوة حول الصهيونية المسيحية في جامعة نورث بارك وقد حضرها قس أمريكي وحاخام إسرائيلي، وتحدث الحاخام بعنجهية فاتهم عدداً كبيراً باللاسامية وقال إن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح عندما جاء أول مرة، ولن يؤمنوا به إذا عاد. فإذا كانت الحركة الصهيونية المسيحية تؤيد إسرائيل حتى يعود المسيح، فنحن نرحب به، ولكن عندما يعود المسيح فسيكون لنا حديث آخر.

 

  وعندما عرض الأستاذ السماك ما قاله القرآن عن المسيح وكيف أنه ولد من مريم العذراء وتحدث في المهد وأحيا الموتى، وأن الإسلام يؤمن بالمسيحية رسالة من عند الله، كما يؤمن بالعودة الثانية للمسيح تملكهم الدهشة والعجب.

 

  وفي ندوة أخرى تحدثت قسيسة عن "الراعي الصالح" وقول المسيح في الإنجيل "أنا الراعي الصالح. أنا بوابة الخراف وكل من يدخل من خلالي ينجو ويجد العشب. فذكرها الأستاذ السماك بقوله فقال تعالي: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون". (المائدة 82).. فعمت الدهشة الجميع أن يتحدث القرآن عن المسيحية هذا الحديث.

 

  وفي ندوة للأمريكيين الأفارقة تحدث عن الأمير عبد الرحمن الذي درس في مدينة تمبكتو "في دولة مالي اليوم" وعرف بإصابة زائر يدعي الدكتور جون كوكس بمرض شديد، فاهتم به واستضافه في بيته وأشرف على علاجه حتى شفي تماما، وسافر إلى بلاده. ولكن بعد هذا اقتنص تجار الرقيق الأمير عبد الرحمن وكان سنه 26 سنة ونقلوه مع مئات وبيع هناك لعائلة في ولاية مسيسبي وفي 1807 وبعد أن ضربت المجاعة أيرلندا هاجر الدكتور كوكس إلى الولايات المتحدة وقابل صدفة في سوق الخضار صديقه الأمير المستبعد. وحاول أن يشتريه من سيده ولكنه رفض، وبعد مرور 25 عاماً على استعباده عاد إلى أفريقيا حيث مات بعد فترة قصيرة.

 

  بعد رواية هذه القصة تملكت القاعة دهشة وسكون وتقدمت منه قسيسة هي الدكتورة بيردلاس بارون، وقالت وعيناها غارقتان في الدموع إنها أيضاً انحدرت من عائلة أفريقية مالكة، وسألته عن مصدر القصة التي رواها، فذكر لها أنها معروضة في المتحف الإسلامي الدولي في مدينة جاكسون بولاية مسيسيبي.

 

  وفي لوس إنجلز عقدت ندوة في قاعة المحاضرات الكبرى في الكاتدرائية بحضور عدد كبير من المدعويين من القساوسة والكهنة قدم فيها إجابات على عدد كبير من الأسئلة (منها سؤال تقدم به قبطي مصري) وبدد الشكوك والأفكار المشوهة. بحيث تقدمت إليه سيدة أمريكية وقالت اسمح لي أن أقدم لك "اعتذاري كمسلم عما كنت أعتقده في الإسلام"، ودعته سيدة أخرى من أصل تركي دنمركي إلى العشاء..إلخ.

 

  ويقول الأستاذ السماك "على أن أكثر ما آلمنا في هذا اللقاء هو ما عرفناه من كبار موظفي لجنة العلاقات الخارجية من أنهم لم يسمعوا أبداً مثل هذا الكلام، وعن العرب أو عن الفلسطينيين. وأن كل ما سمعوه مراراً وتكراراً هو كلام مناهض بل ومعاد للإسلام وللعرب وللفلسطينيين. فلا المنظمات الإسلامية الأمريكية تتصل بهم. ولا يطلب الاجتماع إليهم أي زائر عربي يحمل وجهة نظر منطقية، وفي الوقت نفسه لا تنقطع الوفود الإسرائيلية واليهودية الأمريكية والدولية عن زيارات اللجنة والاجتماع إلى أعضائها من رجال الكونجرس أو من كبار الموظفين لتوضيح وجهات نظرهم وكلها معادية للعرب".

 

  لا يتسع المجال لذكر كل ما قام به الوفد، ولا ما ظفر به من نجاح ووصل إليه من تصحيح للمعلومات لأن ما نريد أن نصل إليه لماذا لا تقوم جامعاتنا (ولا أقول الأزهر لأنه لا يرسل إلا شيوخاً منفرين) لإيفاد عدد من الأساتذة لإقامة جسور التعارف ولتحطيم أزمة الثقة والتصورات المشوهة لماذا لا تقوم هيئات تعني بالشأن العام بمثل هذا الأمر. إن العائد الذي يحققه يرجح أضعافاً ما تكلفته. المهم أن نخاطب كهيئات أو جامعات، أو أفراد الشعب الأمريكي نفسه. وأن نتجاوز الدبلوماسية الرسمية، ونطرح السياسات التي ينتهجها الحزب الجمهوري برئاسة المحافظين الجدد، لأن هؤلاء ليسوا هم أمريكا ولن يخلدوا في السلطة.

 

  أفليس هذا أفضل من "الشجب" والسب وحملة الكراهية والدعوة للمقاطعة؟ التي ليست إلا سياسة النعامة كما يقولون.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

 

Fri, 17 Jun 2005 10:37:40 -0700 (PDT  

   "martha ayoub" <mayoub03@yahoo.com> 

   

Would you please enough decieving, leave the American people alone. They are pure, honest and straightforward. Do you want to lead them to the darkness world of the Arabs? Mr. Bush and his administration quite understand the Arabs

 

 

Fri, 17 Jun 2005 19:53:35 -0700 (PDT)

From:  "havi bouzo" <havibouzo@yahoo.com> 

   

i agree with you 100%, i live in California / United States, and that is exactly what we need here is to communicate and to tell Americans what Islam is really about, because all they hear is some Zionists saying all the bad things about Islam and all the beautiful things about Judaism and the main problem is that in reality, people in the world only see killing and terrorism in the name of Islam without hearing or seeing any Muslim person saying that terrorism is wrong and that Islam dos not encourage the killing of people and the fact that killing is prohibited in Islam because Islam is a religion of peace and not of terrorism.