18 يناير 2005

الخدمة الاجتماعية كمساهمة في التنمية البشرية

لدى هيئتين إسلاميتين

"الجمعية الإسلامية الخيرية"

و"جمعية الإخوان المسلمين"**

(1)

جمال البنّا

 

اسمحوا لي أن أوضح لكم أن المجتمع الإسلامي من أول ظهوره وقد عرف مؤسستين نهضتا بالعمل الاجتماعي وبالتنمية البشرية هما مؤسسة الزكاة ومؤسسة الوقف. وبالنسبة للأولى فإن الزكاة فريضة مقدسة – كالصلاة – على كل المسلمين الذين يتوفر لهم مال بعد إبقاء مطالبهم المعيشية، وهي تقدر بنسبة 2,5 من المال الفائض. وهذه النسبة تُؤدّى إلى المحتاجين بصفة عامة. وجاء النص على ذلك في الآية 60 من سورة التوبة "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ". وتشبه الزكاة في الفرض، وفى نسبتها المئوية تقريبا ما جرت عليه بعض النظم الاجتماعية في أوروبا حديثاً من استقطاع 2% من مهايا العاملين توجه لإعمال الخير charity. وكان للمجتمع الإسلامي فضل السبق في هذا المجال بأكثر من ألف سنة. أما الوقف فيقصد به رصد ملكية وإيراد وعقارات وأراضي للخير، وبوجه خاص للتعليم, ويمكن القول أن التعليم في المجتمع الإسلامي كان يمول في معظمه من ريع الأوقاف. وكان كل الأثرياء من التجار ومن الحكام ومن سيداتهم يوقفون جزءاً من أملاكهم لتأسيس مدارس. وبهذه الطريقة تم بناء "الأزهر" في مصر و"جامعة القرويين" في مراكش و"الزيتونة" في تونس. كما كان من صور الأوقاف السُبل – جمع سبيل – وهو المكان الذي يوفر ماء الشرب النقي للسائلة والسائرين في وقت لم يكن قد انتشر توزيع المياه بالمنازل. ولم تكن أغراض الوقف لتقتصر على الإنسان، بل شملت الحيوان أيضا مثل تيسر "سبيل" للحيوانات لتشرب فيه، وفى شكل أماكن إيواء للحيوانات المريضة أو الهرمة أو حتى القطط الضالة.

وسأتحدث إليكم عن جهود هيئتين إسلاميتين في هذا المجال هي- بحسب الترتيب التاريخي- "الجمعية الخيرية الإسلامية" ثم "هيئة الإخوان المسلمين".

 

تعد "الجمعية الخيرية الإسلامية" من أقدم الجمعيات في مصر- إن لم تكن أقدمها. فقد تكونت عام 1892 واشترك في عضويتها معظم الزعماء والقادة في مصر، وكان الذي وضع مسودة قانونها هو سعد أفندي زغلول، وهو كما تعلمون رائد الليبرالية المصرية وزعيم حزب الوفد المصري فيما بعد. كما كان من رؤساء مجلس إدارتها الأمير حسين كامل الذي أصبح سلطان مصر، ومن رؤساء الوزارات عدلي يكن باشا وعبد الخالق ثروت باشا. وسعد زغلول باشا، ومن الطريف إن هؤلاء السادة كانوا خصوماً في الاتجاهات السياسية، ووصلت هذه الخصومة إلى مدى بعيد، ولكن كما قال المستشار الفنجري-رئيس الجمعية- اختلاف الرأي لا يفسد للخير قضية. ورأس مجلس إدارتها الأمير يوسف كمال كما آزرها الأمير عمر طوسون وكان من الشخصيات البارزة فيها رئيس مجلس إدارتها الشيخ محمد عبده والاقتصادي الكبير طلعت حرب السكرتير العام لها.

من هذا نعلم أن الجمعية الخيرية الإسلامية استقطبت في مجلس إدارتها أبرز الشخصيات المصرية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر.

كان أبرز مجالات نشاط الجمعية هو مجال التعليم. وما أن أبدت استعدادها لذلك حتى انهالت عليها الطلبات من مختلف قرى ومحافظات مصر طالبة إقامة مدرسة على أساس أن تقدم هي الأرض وتقوم الجمعية بالتأسيس. وبهذه الطريقة ظهر عدد كبير من المدارس التي كانت تقوم الدراسة مجانيا.. كما تحملت الجمعية مصاريف الدراسة في المدارس الحكومية لعدد كبير من الأسر الفقيرة.

ثقلت وطأة هذه الخدمات على ميزانية الجمعية حتى اضطرت للاستدانة، وبدأت من سنة 27 في تسليم مدارسها للوزارة شرط أن تحتفظ هذه المدارس بصفتها الإسلامية وبنسبة المجانية. ولم يأت عام 1938 حتى ضمت أغلب مدارس الجمعية المنتشرة في أنحاء القطر بكامل مبانيها ومدرسيها وموظفيها إلى الوزارة بشرط أن لا تقل نسبة المجانية عن 30%، وفى نظير ذلك كانت الجمعية تؤدي للوزارة مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة جنية سنويا.

وعندما قامت حركة 23 يوليو وأعلنت التعليم المجاني اعتبرت الجمعية أن مهمتها في هذا المجال قد انتهت وقامت عنها بها الدولة.

وفى الثلاثينات بدأت الجمعية في بناء مستشفى متكامل بأرض الجمعية بكورنيش النيل بالعجوزة والتي تتجاوز مساحتها 10 فدان، بحيث تتسع لنحو 200 مائتي سرير قابلة للزيادة، ويُعالج فيها المرضى الفقراء مجانا والقادرون بتكاليف محدودة، وقد قدرت تكاليف إقامته في ذلك الوقت بمبلغ 135000 (مائة وخمسة وثلاثين ألف جنيه)، في حين لم يتوفر للجمعية من التبرعات لهذا المشروع خلال ثلاث سنوات سوى مبلغ 48000. فبادر طلعت حرب أمين عام الجمعية وقتئذ، بتكليف المقاول محمد حسن العبد الذي كان يسند إليه مشروعات بنك مصر، أن يقبل إقامة المستشفى بالمبلغ الذي دبرته الجمعية وأن يتبرع بباقي التكلفة ضارباً المثل والقدوة لفعل الخير.

وتوالت في هذه الفترة الوقفيات على الجمعية حتى بلغت 300 وقفية، ما بين صغيرة وكبيرة تتراوح مساحتها ما بين أقل من فدان إلى المائة، ومن عمارة إلى منزل صغير مساحته أقل من 100م2. غير أن الذي تضع الجمعية عليها، وتتولى نظارتها بموجب أحكام قضائية، هو فقط أربعة عشر وقفية، أما باقي الوقفيات فقد استولت عليها وزارة الأوقاف بموجب تعديلات لقانون الوقف رقم 48 لسنة 1946 أصدرتها ثورة يوليو سنة 1952. بل أكثر من هذا أن الحكومة وضعت يدها على مستشفى الجمعية الخيرية بالعجوزة ولم تنجح حتى الآن كل محاولات الجمعية لاستردادها أو لأخذ التعويض المناسب.

ويمكن تلخيص نشاط الجمعية اليوم في:

 

أ. في مجال المساعدات الاجتماعية:

1.   تنفق الجمعية على نحو 700 سبعمائة أسرة فقيرة ثبت أن عائلها كبير السن لا يعمل لمرضه، وذلك بمنحه مساعدة مالية منتظمة تتراوح ما بين ثلاثين جنيهاً وأربعين جنيهاً شهرياً.

2.   تنفق الجمعية على نحو 400 أربعمائة طالب وطالبة بجامعتي القاهرة والأزهر بكافة فروعها بالمحافظات، وذلك ممن توافرت فيهم ثلاثة شروط هي التفوق الدراسي اعتباراً من الثانوية العامة حتى التخرج، مع ثبوت الاحتياج المالي، والانتظام بكليات اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والمنحة لكل منهم بواقع خمسين جنيهاً شهرياً.

3.   إعمالاً لنصوص بعض الوقفيات، وبموجب وثائق تآخي مع بعض الجمعيات الخيرية النظيرة، تدعم الجمعية سنوياً جمعية المساعي المشكورة بشبين الكوم بمبلغ عشرة آلاف جنية لتحفيظ القرآن الكريم حيث أن هذا النشاط ناجح بها كل النجاح. كما تدعم جمعية المعاق ذهنياً، لتغطية تكلفة بعض المرضى المعاقين ذهنياً الذين ثبت شدة احتياجهم سواء داخلياً أم بالعيادة الخارجية. وتقدم الجمعيتان تقريراً سنوياً هذا الدعم.

 

ب. في مجال التعليم:

4.   للجمعية مدرسة صناعية للبنات بحلوان، الدخول فيها بالإعدادية، ويتخرج منها سنوياً بعد دراسة ثلاثة سنوات نحو 150 مائة وخمسين تلميذة. والدراسة مجانية كما تصرف لهن الجمعية مكافآت شهرية ودفاتر توفير عند التخرج، والخريجات منها لا تعرف البطالة حيث لنوعيتهن المتميزة تتلقفهن أسواق العمل. وتقيم المدرسة معرضاً دائماً لعرض وتسويق منتجاتها بمقر المدرسة، إلى جانب المعرض السنوي الذي يقام في شهر مايو من كل عام تعرض فيه إنتاج المدرسة من السجاد والملابس والمفروشات المطرزة يدوياً.

5.   كما أن بمقر الجمعية بشارع بور سعيد مركز لتحفيظ القرآن الكريم للصغار تعمل الجمعية جاهدة على دعمه، وقد بلغ عدد التلاميذ والتلميذات نحو 50 خمسين. بالإضافة إلى مسابقة القرآن الكريم التي تجريها الجمعية سنوياً خاصة بين أبناء أراضى الجمعية الزراعية بقرية المنصورية بالجيزة.

 

ج. في مجال الخدمات الأخرى:

6.   للجمعية ثلاث دور للمسنين للرجال والنساء، موزعة على ثلاث عمارات لها بمقرها بشارع بور سعيد أولاها: دار الضيافة وهي مجانية، وثانيها: دار السلام بأقل من سعر التكلفة، وثالثها: دار الأمان بسعر التكلفة بأقل من سبعة جنيهات يومياً للإقامة والإعاشة والخدمات الطبية والترفيهية.

والجمعية بصدد تعلية مبناها رقم 313 شارع بور سعيد ليشمل كافة دور المسنين.

7.   وللجمعية مركز علاج طبيعي بعماراتها رقم 315 شارع بور سعيد، وبه أحدث العدد والآلات، ويعمل لفترتين صباحية ومسائية. وهو يستقبل مرضاه بأسعار رمزية بما لا يتجاوز الجلسة ستة جنيهات، ومن ثم كان دائماً محل دعم مالي من الجمعية.

8.   وللجمعية مركز للأسر المنتجة بعمارتها رقم 313 شارع بور سعيد، ويقدم خدماته للفتيات وربات البيوت بتعليمهن مجاناً التفصيل والحياكة والتطريز ومختلف الأعمال الفنية، كما يقدم المركز دورات تدريبية لطالبات المدارس الإعدادية والثانوية، وخاصة الأزهرية التي تطلب ذلك من الجمعية.

9.   وللجمعية دار للمغتربات بعمارتها رقم 313 شارع بور سعيد، تأوي 50 خمسين مغتربة من الجامعيات والموظفات، ولديها قائمة انتظار. ولذلك تأمل الجمعية إخلاء الشقق العديدة المشغولة حالياً بعمارتها المذكورة بأجهزة حكومية، حتى يمكن الاستجابة إلى طلبات الإيواء الملحة من الجامعيات والموظفات المغتربات.

هذا بالنسبة للجمعية الخيرية الإسلامية التي تعد أقدم مؤسسات الخدمة الخيرية والعمل العام في مجال التنمية البشرية في مصر.

** ورقة ألقيت في مؤتمر مركز ابن خلدون تحت عنوان:" دور المنظمات الإيمانية في التنمية في مصر".

 

للتعليق على هذا الموضوع