![]()
08 فبراير 2005
كانت مصر
تعيش من عام 23
إلى عام 52 في ظل
حكم ديمقراطي
جاء به دستور 23.
لم يكن
الدستور
كاملاً، كان
به العديد من
الثغرات، لأن
المجتمع
المصري لم يكن
قد تحرر من
نفوذ
المستعمر
المحتل، ولا من
نفوذ الملك
المستبد.
ولكنه مع هذا
كفل قدراً
كبيراً من
الحريات
وازدهرت في
ظله الفنون
والآداب، وكل
أمجاد مصر
المعاصرة
إنما تعود إلى
تلك الفترة.
وفي
الأربعينات أصيبت
الحياة
الديمقراطية
بنوع من
الترهل وتخلفت
عن مقتضى
التطور. كان
دستور 23
وديمقراطيته
أشبه بساعة
تتأخر، وكان
العلاج
إصلاحها،
ولكن الظروف
أدت إلى قيام
حركة 23 يوليو
التي أرادت
استحثاث
التقدم وأن
يسير بالسرعة
المطلوبة..
وعندما
استطاعت
الحركة أن
تقتلع فاروق
فإنها ظفرت
بتأييد شعبي
كاسح وأحب
الشعب محمد
نجيب "ومن أول
نظرة.." كما لم
يحب حاكماً
آخر لأنه وجد
فيه "المصري
النموذجي"
البشوش،
الطيب، الصريح
المتواضع..
تصور البعض
أن الصورة
المثلى
لسياسة العهد
الجديد هي أن
تعيد الحريات
الديمقراطية
التي كانت قد
أوقفت عندما
صدرت الأحكام
العرفية عام
48، وأن يعيد
انعقاد مجلس
النواب
المجمد بعد أن
قام بدوره
كجيش في
اقتلاع الملك
الذي كان
رمزاً لفساد
العهد. بينما
رأى آخرون أن
هذا سيعيد الديمقراطية
المترهلة،
وقد يفقد
الانقلاب ما كسبه
للشعب وأن
الأفضل أن
يتولوا الحكم.
ولما كانت تلك
الرغبة
الأخيرة هي
الرغبة
الفعلية، فإن
المشكلة كانت
كيف يمكن أن
يحكموا حكماً لا
يتسم
بالاستبداد
الذي كان
يمارسه الملك
ولا بالترهل
الذي وصلت
إليه
ديمقراطية 23.
في هذه
اللحظة كان
التصرف
السليم هو أن
يؤسس رجال
"الحركة"
حزباً وكان
يمكن في حميا
الحماس التي
تملكت
الجماهير أن
يكتسب
الأغلبية لأن
الحركة كانت
في عذريتها
وبراءتها
الأولى، تتمتع
بما يماثل
الإجماع،
وكان يمكنهم
بفضل هذه
الأغلبية أن
يطمئنوا على
مركزهم، وأن
ينفذوا ما
يرونه من
إصلاح.
تلك كانت
الخطة التي
رأيت وقتئذ
أنها المثلى والتي
عبرت عنها في
كتاب بدأت
كتابته بسرعة
في الأسبوع
الأول للحركة
وبدأت في طبعه
باسم "ترشيد
النهضة". وكان
الفصل الأول
عن تحليل لحركة
23 يوليو وهل هي
انقلاب أو
ثورة، وقطع
الفصل بأن
حركة 23 انقلاب.
فالجمعية
التي قامت به
جمعية عسكرية
من فريق من
الضباط ولابد
بحكم هذه
الطبيعة من أن
تكون سرية،
وبالتالي
تفقد
المشاركة الجماهيرية،
ثم كانت تضم
أيدلوجيات
مختلفة فقدت
وحدة النظرية.
وينتهي الفصل
ليبدأ فصل
جديد بعنوان
"حزب من نوع
جديد" هو أن
المسلك الأمثل
لرجال الحركة
هو تأسيس حزب
من نوع جديد
يضع في أهدافه
ما يحق النهضة
ويكتسب
الأغلبية بفضل
الحماسة
الكاسحة التي
نالتها
الحركة.
ولكن هذه
الفرصة
المتاحة
لإقامة
ديمقراطية جديدة
لم تتحقق،
والذي تحقق هو
المصادرة الفورية
السريعة
لكتاب "ترشيد
النهضة" وهو
في المطبعة
دون أن يتم.
والذي
علمته فيما
بعد أن
المطبعة كانت
ترسل الملازم
إلى الرقابة
التي ما أن
أطلعت على الفصل
الأول حتى
أمرت
المصادرة.
ولم يكن
عبد الناصر
غائباً عن هذا
الأجراء لأنه
ظن أن كاتبه
شيوعي - كما
قال لي - وكما
ناقشني في
مضمونه.
وضاعت هذه
الفرصة
الأولى
لإقامة حكم
ديمقراطي.وفي
سنة 1954 تقطبنا
كل المعسكرات
-سلاح الفرسان
- محمد نجيب - كل
الأحزاب -
نقابة
الصحفيين -
ونقابة
المحاميين -
الشيوعيين
لطلب
الديمقراطية.
ولما شاهد عبد
الناصر عنف
هذه الحركة
تراجع
ظاهريا، وأصدر
في 25/3/54 القرارات
الآتية:
أولا:
يسمح بقيام
أحزاب..
ثانيا:
المجلس (مجلس
قيادة الثورة)
لا يؤلف حزبا.
ثالثا: لا
حرمان من
الحقوق
السياسية حتى
لا يكون هناك
تأثير على
الانتخابات.
رابعا: تنتخب
الجمعية
التأسيسية
انتخاباً
حراً مباشراً
بدون أن يعين
أي فرد وتكون
لها السيادة
الكاملة والسلطة
الكاملة
وتكون لها
سلطة
البرلمان كاملة.
وتكون
الانتخابات
حرة.
خامسا: حل
مجلس الثورة
في 24 يوليو
المقبل
باعتبار
الثورة قد
انتهت وتسلم
البلاد لممثلي
الأمة.
سادسا:
تنتخب
الجمعية
التأسيسية
رئيس الجمهورية
بمجرد
انعقادها.
وهذا
التسليم
الكامل ينبئ
بان عبد
الناصر كان
يضمر شيئاً
آخر. ومن ثم لم
يكن ليضيره أن
تصدر
القرارات
بهذا السخاء،
كما أن هذا
كان يكفل
تخدير
القائمين على
الحركة ويمتص
غضب الجماهير
وعندئذ يضرب
ضربته.
واستكمالاً
لمؤامرة عبد
الناصر
"التكتيكية"
وخضوعا أمام
التيار
الشعبي
الكاسح الذي ما
كان يمكن أن
يقف أمامه بعد
أن ضم الجيش،
والإخوان،
والنقابات
المهنية،
وبقايا
الأحزاب، اجتمع
المجلس في 27
فبراير وقرر
دعوة اللواء
محمد نجيب
للعودة
لرئاسة
الجمهورية
وتصفية الخلاف
حول عودة
الحياة
البرلمانية
بتأليف جمعية
تأسيسية تمثل
كافة هيئات
الشعب
المختلفة، وتؤدي
وظيفة
البرلمان
مؤقتا،
وتراجع نصوص
الدستور بعد
أن يتم وضعها
وإجراء
انتخابات بعد
ذلك لإعادة
الحياة في مدى
أقصاه نهاية
الفترة الانتقالية
(أعلنت في 17
يناير سنة 1953
وتنتهي في 16
يناير سنة 1956)
وإلغاء
الرقابة على
الصحف.
وعندما
آمن عبد
الناصر أن
الإخوان المسلمين
لن يقوموا
بدور في هذه
الحركة حتى
افتعل إضراب
عمال نقل
القاهرة،
الذي نفخ فيه
عن طريق
الإذاعة
والصحافة.
واشتركت فيه
بعض الأجهزة
بحيث بدأ
وكأنه الشعب
يتمسك
بالثورة، ويرفض
قرارات 25/3.
"ونزولاً
على إرادة
الشعب!!!" سحب
عبد الناصر كل
قراراته وبطش
بالمعارضين.
وانتهت هذه
الفرصة
الثانية من
فرص إقامة
ديمقراطية.
بعد ذلك
بثلاثة عشر
عاماً.
عندما
توطد حكم عبد
الناصر
بوسائل لا
يتسع لها
المقام، ولكن
لم يكن منها
إقامة قاعدة
شعبية حرة
حقيقية، ولكن
مجموعة من
الهيئات (هيئة
التحرير،
الاتحاد
القومي ثم
الاتحاد
الاشتراكي)
وكلها تدار
إدارة سلطوية
تجعل التنظيم أداة
الحاكم
للسيطرة على
الجماهير رغم
التأكيد أن
الانتخابات
تمت بطريقة
ديمقراطية حرة
من القاعدة
حتى القمة
وحدثت هزيمة 67.
في أعقاب
مظاهرات 9 و10
يونيو التي
عبرت عن رغبة الشعب
في إقامة
ديمقراطية
حتى لا تتكرر
المأساة كان
الجو مهيئاً
تماماً
لإقامة هذه
الديمقراطية
التي تنهي
الفترة
الكئيبة
والهزيمة
المهينة،
وتبدأ صفحة
جديدة وكان
عبد الناصر قد
خلص من المشير
وأعوانه،
وأصبح سيد
الموقف.
وكانت كل
القوى، رغم
الهزيمة التي
اعترف بمسئوليته
عنها، تؤيده.
فقد غفر له
الشعب هزيمته
عندما أطل
عليهم على
شاشات
التليفزيون
وقد علاه
الشيب وهو
يلقي خطاب
الاستقالة
الذي أعده
هيكل بعبقرية
فذة جعلت
الجماهير
تنفعل منه،
وتهب لتأييده.
ولكن عبد
الناصر
كعادته لجأ
إلى امتصاص
الغضب
بإجراءات
"تكتيكية"
مثل ضرب مراكز
القوى وإصدار
بيان 30 مارس.
كان الشعب
يريد
ديمقراطية
وكان عبد
الناصر يعطيه بيانات
ومواثيق
بليغة تتمشى
الديمقراطية
بين سطورها.
وضاعت هذه
الفرصة
أيضاً...
وسنحت
فرصة جديدة
عندما توفى
عبد الناصر
وتولى
السادات
الحكم. وكان
من المعروف أن
السادات كان
يعتزم تماماً
أن يغير نظام
عبد الناصر.
لا نقول
إن السادات
كان يمكن أن
يغير النظام
الذي كان قد
تجذر وأصبح له
أنصار أقوياء
تحتم عليهم
مصالحهم
الدفاع عنه،
ولكن كان
يستطيع أن يرسم
خطة طويلة
المدى لتحقيق
الديمقراطية
وكان هناك
مناسبات
عديدة أبرزها
عقب انتصار
رمضان
واكتساب
شعبية كبيرة
كانت تملكه من
أن يكون حزبه
حزب الأغلبية.
وهذا هو ما
فعله، ولكن بصورة
شكلية، فقد
كون حزب مصر -
الحزب الوطني
الاشتراكي بل
وسار خطوة
أبعد عندما
كون حزب اليسار
وحزب الوسط.
ولكن كلها
كانت تكوينات
سلطوية،
شكلية أوجد السادات
ديمقراطية
شكلية، صورية
كما أوجد عبد
الناصر
اشتراكية
شكلية صورته
لأن كل منهما
كان مسكونا
بالسلطة، وكل
منهما يعتمد
على السلطة
كما تدل على
ذلك كلمة عبد
الناصر
للصحفي
البريطاني
"بريان روبرتسون
"إن برلماني
هـو جيشي".
(قالها في
أعقاب إضـراب
عمال النقل
سنة 1954).
كان
التجديد الذي
جاء به
السادات هو
ديمقراطية
مزيفة محل
اشتراكية
مزيفة.
وقُتل
السادات.
وحانت فرصة
جديدة عندما
انتخب مبارك...
لم يكن
اللواء مبارك
من ضباط 23
يوليو ولم
يلوث يديه في
أوزارها أو
يتورط في
مغامراتها أو
يكون مسئولاً
عنها أو
ملتزما بها.
وقد عبر
عن روحه
ببداية باهرة
لم يكن عبد
الناصر أو
السادات
ليفعلها
عندما أفرج عن
المعتقلين
واستقبلهم
بقصر القبة.
وعندما أمر
بتكوين مجلس
اقتصادي.
كان الرجل
يريد أن يفتح
صفحة جديدة..
ولكن
وآسفاه...
إن الحرس
القديم كان
بالمرصاد.
وكان لا يزال
يرأس الحزب،
ويرأس أجهزة
وإدارات
الدولة.
وهكذا
دارت العجلة
لتشهد فصولاً
من الإجراءات
التمثيلية
للديمقراطية
السلطوية
ولمجلس
الشعب، ومجلس
الشورى الخ...
اليوم لم
يعد هذا
كافيا...
أن الفرصة
اليوم ليست
فحسب سانحة
أنها تفرض نفسها..
إن
"طوب الأرض"
يطلب
الديمقراطية..
ولم يعد
كافيا، لا في
الداخل ولا في
الخارج التمثيليات
والشكليات..
ولم يعد
كافيا أن نخوف
البعض بأن
الديمقراطية
ستأتي
بالمتعصبين،
إلى الحكم...
هذا
احتقار لوعي
الشعب..
في كتابنا
"مطلبنا
الأول هو
الحرية"
طرزنا غلافه
بشريط طويل
تتكرر فيه جملة
"أعيدوا
دستور 23..
أعيدوا دستور
23...
قد لا
يكون دستور 23
كاملاً، ولكنه
في النهاية
دستور
ديمقراطي
لأنه يركز
المسئولية في
الوزارة
ويعطي مجلس
الشعب حرية
مناقشة
الميزانية
بنداً
بنداًً،
وحرية سحب الثقة
من الوزارة.
ومن نافلة
القول أن كل
القوانين
الكريهة تراث
الحكم
الشمولي يجب
أن يلقي بها
حيث يجب أن تكون
في زبالة
التاريخ.
إنها الفرصة
الأخيرة
"فاتعظوا يا
أولي
الألباب"..