20 فبراير 2005

صعوبات تقنين الشريعة

د. جمال البنّا

 

"تطبيق الشريعة" شعار اشهر من نار على علم، كما يقولون، وهو القاسم المشترك الأعظم في الهيئات الإسلامية على اختلافها حتى وان تفاوتت في المدى أو الكيفية، وكلها تجمع على أن من يرفض ذلك يعد مرتداً.

 

والرأي الساند لدى هذه الهيئات أن تطبيق الشريعة يلبي مطلبا جماهيريا ويحقق فرضا إسلاميا، وان القوانين التي تبلور ذلك موجودة فعلا. فقد عكفت عليها لجان عديدة برياسة الدكتور صوفي أبو طالب أيام رياسة السادات ولكن رئيس المجلس العتيد رفعت المحجوب احتجزها في دُرجِه وحال دون أن ترى النور.

 

ولكن إمعان النظر يوضح لنا أن الموضوع أصعب وأكثر تعقيدا مما تتصوره هذه الهيئات، وان هناك اعتبارات عديدة وعوامل يجب التغلب عليها قبل أن يتحقّق ذلك. وبعض هذه العوامل صعبة، بينما الأخر يجعل هذا التحقيق - في الأوضاع الحالية - مستحيلا أو عقيما.

 

واستقصاء التاريخ يوضح لنا أن تطبيق الشريعة - باستثناء فترة وجود الرسول. كان حراً يخضع لاجتهادات عديدة ولم يأخذ شكل "قانون" حتى عندما وضعت تركيا "لائحة" الأحكام العدلية وبعد أن أصدر قدري باشا كتابه "مرشد الحيران".

 

كما يوضح لنا التاريخ أن فكرة تقنين الشريعة، بطريقة ما، ساورت عددا من الخلفاء في العهد الأموي والعباسي ولكنها كلها لم تنجح.

 

 كان أولهم الخليفة عمر بن العزيز الذي بدأ تدوين السنة لشيءٍ أكثر من خوفه من ذهاب العلم، كما يُفهَمُ ذلك من حديث أبي زرعة: "أراد عمر بن عبد العزيز أن يجعل أحكام الناس والاجتهاد حكما واحدا، ثم قال إنه قد كان في كل مصر من أمصار المسلمين وجند من أجناده ناس من أصحاب رسول الله وكان فيهم قضاة قضوا بأقضية أجازها أصحاب رسول الله ورضوا بها وأمضاها أهل المصر كالصلح بينهم - فهم على ما كانوا عليه من ذلك."

 

وهذا النص يوضح أن عمر بن عبد العزيز كان يريد من وراء التدوين، أن يتحول ذلك إلى قانون يحمل الناس عليه أو يلزمهم به. ولكن خلافته لم تستمر سوى عامين. وذهب بعض الكتاب إلى أن الوليد بن عبد الملك 86-96هـ أراد ذلك قبل عمر بن عبد العزيز وانه كتب يحمل القضاة على قول خالد بن معدان الكلاعي، ولكنها لم تنجح أمام الأعراف الفقهية السائدة.

 

على أن الأثر الأكثر شيوعا ودلالةً أيضا هو ما رُوِيَ عن مالك بن انس مع المنصور وقد رواه مالك نفسه فقال: "لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحادثته وسألني فأجبته، فقال إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت - يعني "الموطأ" فتنسخ نسخا ثم ابعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت اصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات واخذ كل قوم بما سبق إليهم وعلموا به ودانوا به من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وان ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم، فقال لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به".

 

واسترعى أنظار ابن المقفع اختلاف الأحكام باختلاف الأمصار وكتب في "رسالة الصحابة": "ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين "الكوفة والبصرة" وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ إختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى.. فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الاقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم سنة أو قياس.

 

" ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله، ويعزم عليه عزما وينهي عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا.. ثم يكون ذلك من أمام آخر الدهر إن شاء الله".

 

ولكن هذه المحاولة أيضا لم ترزق استجابة..

 

ويلحظ أن المبادرة في هذه المحاولات جاءت من الحكام أو أعوانهم، وهو أمر مفهوم سواء لان ذلك يضع الزمام في أيديهم ويمنحهم مزيدا من السلطة، ويضفي على هذه السلطة ثوب الشرعية، أو لان مناخ الحرية السائد وقتئذ أدّى إلى بلبلة وفوضى في إصدار الأحكام، وهو أمر من الصعب أن تقف الدولة موقفا سلبيا إزاءه.

 

فكان لدى الحكام دافع مضاعف لتقنين الشريعة ولكنهم لم ينجحوا لان الأمر كان أكثر تعقيدا مما تصوروا. فمن ناحية رفض الفقهاء هذه المحاولة التي تنقل السلطة من أيديهم لتضعها في يد الدولة، حتى وان كان بعضهم في إطار الدولة كقضاة، لان المعول لا يكون على القضاة الذين يعملون في خدمة الدولة ولكن على الفقهاء الذين يضعون الأحكام التي يحكم بها القضاة.

 

وكانت تلك هي فترة انطلاقة الفقه وازدهار الاجتهاد ولم يكن سهلا كبحه أو تأطيره لأنه كان يصدر عن إيمان عميق من الفقهاء برسالتهم ودورهم والأمانة التي استحفظوا عليها.

 

وحتى ولو تجاوب الفقهاء شيئا ما - فإن التوصل إلى التقنين المطلوب كان يقضي أما الأخذ بمذهب دون بقية المذاهب الأخرى، وطبيعي أن هذا الحل لن يظفر بتأييد فقهاء المذاهب المتروكة. أو انه يقوم على أساس انتقائي تلفيقي وهو أمر يعسر التوصل إليه لان الاختلاف بين المذاهب اختلاف أصولي. أي يعود إلى قواعد الوصول إلى الحكم، والانتقاء والتلفيق لا يمكن تحقيقه إلا على أساس تجاوز إطار "أدلة الأحكام" المقرر في أصول الفقه "إلى الأهداف المتوخاة من الشريعة كالمصلحة عند الطوفي أو المقاصد عند الشاطبي، وهو ما لم يتم حتى الآن.

  

  باختصار وجد الحكام أنفسهم أمام متاهة لا يمكنهم التوصل فيها إلى الطريق المطلوب. ولم يستطيعوا إلا بعد فترة طويلة جدا حسم الأمر بالطريقة التي فعلتها الدولة العثمانية عندما جعلت المذهب الحنفي مذهبا مقررا متبعا في الدولة، وعندما وضعت "مجلة الأحكام العدلية" وقررت الدولة الصفوية في إيران المذهب الجعفري مذهبا لها. وكان هذا بالطبع بعد أن أغلق باب الاجتهاد بوقت طويل وساد التقليد مما سمح باتخاذ هذه الخطوة.

 

وكان أهم من هذا كله الشعور المستكن في أعماق المجتمع الإسلامي وقتئذ -جماهير وفقهاء- من أن الأمر الطبيعي للشريعة أن يترك ما بين الفقهاء ومحابرهم، وما بين الجماهير ومشاعرهم وان تكون العلاقات حرة ومتفتحة، فهذا الوضع يدفع لازدهار الفقه، وبالتالي الشريعة، وتفتح آفاقها وفنونها، كما يسمح للجماهير بحرية الأخذ برأي هذا الفقيه أو ذاك، الانتماء إلى هذا المذهب أو غيره ويربط الجميع ويوحد بينهم -كائنا ما كان التنوع- إطار القرآن بحيث ينطلق الجميع من "وازع القرآن".

 

وهذا الوضع ينتفي بمجرد تدخل السلطة حتى لو كان هذا التدخل لفرض تطبيق الشريعة، وحتى لو تضمنت السلطة عناصر من رجال الفقه. فما أن تدخل السلطة حتى يفسد كل شيء وتفقد الشريعة روحها. ومهما اتخذ من ضمانات فإن السلطة تتوصل بهذه الطريقة أو تلك إلى تجميد هذه الضمانات وفي النهاية يعود كل شيء إلى "وازع السلطان".

 

بل أن نظرة الناس إلى الشريعة ستختلف. وبعد أن كان العامل الأعظم في تفعيل الشريعة هو الإيمان، فان هذا العامل يتحول إلى "الإذعان". وما أعظم الفرق بين حلاوة الإيمان ومرارة الإذعان،

وشيئا فشيئا تفقد "الشريعة" قداستها ودفئها وما يلتبس بها من انتماء إلى الله والرسول والصحابة وأجيال الفقهاء والعلماء الذين عملوا بوحي من الإيمان والإخلاص والقربى إلى الله، وتصبح مجرد قانون تصدره الدولة تشرف سلطاتها على تطبيقه.

 

فهل فكّر دعاة تطبيق الشريعة في هذه الاحتمالات والتطورات التي ينتهي إليها التطبيق المنشود؟

 

إن بعض الذين وضعوا هذه الاحتمالات نصب أعينهم وجدوا أنفسهم وهم يعارضون تطبيق الشريعة. فعندهم أن من الأفضل أن تكون الشريعة فكرا بين الناس يؤثر فيهم ويتفاعل معهم بحكم افضليته ومنزلته من أن يكون قانونا مفروضا عليهم من الدولة. خاصة أن دور العقوبات الحدية دور هامشي في أحكام الشريعة "وقد أحاطها الشرع بمحترزات جعلت أكثرها غير قابل للتطبيق في العادة" أما التعازيز فإنها اجتهادية تعود للقاضي وينتهون إلى ما قاله الدكتور رضوان السيد:

 

"وخلاصة القول إن شعار تطبيق الشريعة يقود إلى نتائج تتناقض مع أهداف الذين يطرحونه. فهو يحتم تدوين الفقه في صورة تقنين قانوني، وهو يقلل من شأن الشريعة، ووظيفتها الاجتماعية عندما يضعها في مرتبة القانون القامع، وهو يعطي الدولة صلاحيات جديدة انتزعها منها مجتمعنا التاريخي فيكل إليها سلطة قامعة إضافية، وهو يتناقض مع التجربة التاريخية للأمة القائمة على فكرة الجماعة إذ يشرذم المجتمع. وهو يخلق في النهاية نظاما قيميا جديدا ينسجم مع متطلبات    

الدولة القومية ذات الطابع القطري".

 

للتعليق على هذا الموضوع