28 اكتوبر 2005

 

 

تفسير القرآن أم تثوير القرآن؟

جمال البنا

 

 

  رمضان شهر القرآن أنزل فيه آياته الأولي، ثم جمع في ليلة القدر من شهر رمضان، والقرآن هو أصل الإسلام وهو أكبر مكون من مكونات ثقافتنا وفكرنا، وهو معجزة الإسلام التي أدت دورها كمعجزة يعجز البلغاء وأصحاب الأقلام عن أن يأتوا بمثل سورة من سوره، كما أنه كان السبيل إلي الإيمان بالإسلام، فالصورة التي لدينا للايمان هي الرسول "يتلو" القرآن علي مشركي مكة فيؤمن بعضهم، ويتزلزل الشرك في نفس البعض الآخر ويعود بغير الوجه الذي ذهب به، كما قيل عن أبي الوليد عندما ذهب للرسول ليقنعه بالكف عن دعوته فقرأ عليه الرسول بعض الآيات من سورة فصلت فلما وصل إلي "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود". فقال حسبك وعاد بوجه غير الذي ذهب به.

  هذا القرآن العظيم قام بأعظم أدواره في عهد الرسول وأحدث ثورته التي نقلت القبائل العربية المتشاكسة التي كانت تفخر بسبق جواد أو بإنشاد قصيدة وتري الغارة بعضها علي بعض سبيلاً مشروعاً عندما تشح السماء، حول القرآن هذه القبائل إلي أمة تحمل "الكتاب والميزان". إلي الحضارات الطبقية الهرمة الحضارة الفارسية والحضارة البيزنطية وأوجد مجتمعات إنسانية تقوم علي المساواة والعدل.

  قام القرآن بثورته تلك عندما لم يكن هناك تفسير ولا "علوم القرآن" المدعاة من ناسخ ومنسوخ، ومن أسباب النزول ومن مكي ومدني وتبين المبهمات الخ...

  نحن اليوم لا نكاد نقرب القرآن، أو نفهمه إلا عن طريق التفاسير، فنقرأ طرائف وغرائب وأخباراً مجهولة تثير فينا الفضول والرغبة في التزيد، كأنما نقرأ صفحات من عوالم ألف ليلة وليلة وغرائبها المدهشة، وهو ما يصور النقلة التي أحدثها التفسير فبعد أن كان القرآن ثورة لإخراج الناس من الظلمات إلي النور.. أصبح كتاباً مدهشاً عن أقاصيص وروايات وطرائف وحكايات وصفحات كاملة من التوراة وروايات عديدة عن أهل الكتاب الذين قال فيهم ابن خلدون "من أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه".

  وكل قارئ للتفاسير القديمة المعتمدة والمقررة كتفسير الطبري والقرطبي وابن كثير الخ.. يتملكه العجب لأنه يقرأ في تفسير كلمة معني معيناً ويعقبه مباشرة بمعني آخر مناقض فالمعني الأول رواه فلان.. والمعني الثاني رواه راو آخر كما قالوا في تفسير "وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم". فرغم النص علي أنكم لاتعلمونهم إلا أن بعض المفسرين قال إنهم قريظة وآخر قال من الجن ولما استنكر الزركشي في البرهان ذلك ورأي فيه جرأة قال السيوطي إن القول أنهم من قريظة أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد والقول إنهم من الجن أخرجه بن أبي حاتم من حديث عبدالله بن غريب عن أبيه مرفوعا إلي النبي صلي الله عليه وسلم فلا جراءة!.. ولم يثر التناقض بين القولين أي دهشة حتي عندما تكون الروايتان المتعارضتان من راوِِِِ واحد.

  وادعاء النسخ في القرآن من أكبر ما يمثل جريمة المفسرين علي القرآن. وما من كتاب أقرأه من وضع المستشرفين أو عامة المسلمين حتي أجد الإشارة إلي آية السيف العجيبة التي نسخت أكثر من مائة آية من آيات السماح والحرية وروايات عديدة عن آيات نسخت منها مثلاً:

  أ) قالت عائشة كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن، هذا الخبر الذي لا نشك أنه موضوع كان سبب أن قرر المفسرون وجود نسخ الحكم والتلاوة.

  ورووا عن ابن عمر أنه قال "لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله، ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل أخذت منه ما ظهر".

  وعن عائشة قالت كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي آية فلما كتب عثمان لم نقدر منها إلا ما هو الآن:

  وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال قرأ رجلان سورة اقرأهما رسول الله فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدراً منها علي حرف فأصبحاً غاديين علي رسول الله فذكروا ذلك فقال إنها مما نسخ فألهوا عنها!!

  وقال المفسرون أن سبب نزول آية وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَي الأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّي تَفِيءَ إِلَي أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. هذه الآية المعجزة التي تقدم أساسا لمحكمة عدل دولية، وتضع قواعد عملها، قال المفسرون إنها "نزلت في قضية هي أن النبي ركب حمارا، ومر علي ابن أبي، فبال الحمار فسد ابن أبي أنفه، فقال ابن رواحة والله لبول حماره أطيب ريحا من مسكك فكان بين قوميهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف" فانظر كيف هوي هؤلاء بهذه الآية من روعة التقنين المحكم إلي بول حمار.

  ومن أغرب تفسيراتهم "ويل للمطففين" ويل "واد في جهنم" كذلك عن تفسيرهم "قل أعوذ برب الفلق" الفلق واد في جهنم كأنهم مولعون بوديان جهنم.

  وقالوا لجلودهم "أي لفروجهم" وعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فيضعون لا قبل يطيقونه.

  ما نريد ان نصل اليه ان الذين قاموا بعملية تفسير القرآن وابدعوا علوم القرآن من نسخ، واسباب نزول وتعيين مبهمات اساءوا اساءة كبري الي القرآن فاستبعدوا آيات قد تصل الي مائتي آية، بدعوي انها منسوخة واعطوا للمعاني المجردة التي اوردها القرآن تخصيصا يحصرها بل ويعين لها معاني أخري دون أي دليل. فإذا قال القرآن "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قالوا اليهود والنصاري، واذا قال "لهو الحديث" قالوا الغناء واذا قال ولا تؤتوا السفهاء اموالكم" قالوا النساء والاطفال واذا قال "وليضربن بخمرهن علي جيوبهن" يقصون علينا رواية ابن عباس انها تغطية الرأس والوجه باستثناء عين واحدة.. واذا قال "لا إكراه في الدين" قالوا هذا خصوص من عموم بمعني ان الآية لا تنطبق إلا علي غير المسلمين الذين يدفعون الجزية، فهؤلاء لا يجوز إكراههم علي الإسلام.

  كان يجب ان نعلم بان شخصا ما يتصدي لتفسير القرآن لا يستطيع ان يتحرر من ثقافته، وفكره، ومزاجه النفسي وروح عصره ومذهبيته وانه يلقي ما يشبه ان يكون اسقاطا علي النصوص لتأخذ المعني الذي يتفق مع فكره واجتهاده وطبيعي ان هؤلاء المفسرين مهما قيل عن معرفتهم وحذقهم بشر وليسوا ملائكة ولا هم معصومون من الخطأ والضعف البشري فكيف يقضي كلامهم علي النص وكيف يؤخذ بالاحكام التي انتهوا اليها انها احكام القرآن.

  لا يفسر القرآن إلا القرآن نفسه، فما أجمله في آية يفصله في آية اخري، كما يمكن التعرف علي المعاني من استعراض الاستخدامات المتعددة للكلمة في السور المختلفة، واهم من هذا ان القرآن الكريم يؤدي مهمته وهي الهداية بمجرد الاستماع اليه، عبر صياغته المعجزة من تصوير فني ومن نظم موسيقي ومن معالجة للأوتار السيكلوجية في الانسان، نقول ان القرآن بحكم هذه الصفات يؤتي اثره بمجرد السماع - اي بالانطباع فهو مثل "سيمفونية" من سمفونيات بيتهوفن تحدث اثرها بمجرد سماعها دون حاجة الي شرح او تفسير، بل ان اي شرح او تفسير يحيف علي طبيعتها ويفتات عليها ويذهب بروعتها.

  لقد آن الأوان ان نتحرر من تأثير المفسرين بدءاً من ابن عباس حتي سيد قطب، فكلها افتيات علي القرآن "اننا اذا اسلمنا قلوبنا للقرآن، فسيهدي بصيرتنا وسيجعلنا نهتدي للتي هي اقوم فاذا انغلق علينا معني، فليس كل واحد مكلف بان يعرف كل ما جاء في دفتي المصحف، ان الصحابة انفسهم ما كانوا يحفظون الا سورا معدودة وهناك من المعاني ما لم يتوصلوا الية فتركوه الي خالقه ورأوا ان ما وصلوا اليه يكفيهم.

  سيقولون إننا لن نستطيع أن نفهم القرآن إلي عن طريق التفاسير، وأن التفاسير لا غناء عنها وأنها تتطلب معرفة اللغة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ومعرفة أسباب النزول الخ.. وأنه ما لم يكن المفسر يلم بهذا فإنه لا يمكن أن يفسر القرآن، وسيقولون إن الأوائل كالصحابة والتابعين أكثر معرفة منا لصحة ألسنتهم ولصحبتهم للرسول.

  نقول لهؤلاء هذا نوع من الكسل الفكري ومن الاستخزاء أمام السابقين، وهو أمر مفهوم بعد ألف سنة من إغلاق باب الاجتهاد فشلت عقول المسلمين وقد آن الأوان للتخلص من ذلك، ولدينا من وسائل الثقافة والمعرفة ما لم يكن "يحلم" الأوائل بإمكان حدوثه فنحن أقدر منهم علي الفهم، وعلي كل حال فإننا إذا حاولنا وأخطأنا التوفيق فلن نحرم ثواب المجتهد، وهو بالطبع أفضل من أن نسلم بما حشيت به كتب التفاسير من روايات لا قيمة لها إلا أنها صدرت عن الأئمة الأعلام. إن إعمال الذهن هو في حد ذاته ما يريده القرآن عندما حثنا علي أن "نتدبر" القرآن وأن نتفكر فيه وعندما حذرنا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أًلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ. (170 البقرة).

  وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَ عُمْيَانًا. (73 الفرقان).

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Date: Sun, 15 Jan 2006 12:05:50 +0400

From: "Naserdeen Mehana" <zcardio@dms.mil.ae> 

   

رائع كلعادة