9 يوليو 2005

 

فجر صادق أم فجر كاذب؟

جمال البنا

  

 

  هل حان حقا وقت التغيير؟. وهل دقت ساعة دفع الاستحقاقات المؤجلة؟

 

  لا جدال أن مصر تحتاج إلى تغيير حاسم وقد كان يجب أن يأتي هذا التغيير منذ مدة طويلة ولكن المماحكة أخرت هذا الوقت إلى الآن. لقد قام انقلاب 23 يوليو لبعض صور الفساد في الجيش ولإعلان الأحكام العرفية ولاعتقال الأبرياء ـ ولكن الفساد لم يكن موجودا.

 

  والآن ـ وبعد خمسين سنة من 23 يوليوــ تضخمت الأخطاء وتراكمت وأصبحت تلالا مثل تلال القمامة ثم ظهر الوباء القاتل الفساد وافتراء الأغنياء المتخمين بالأموال التي نهبوها بأسوأ وأدنأ الصور. ومن أشخاص يشغلون مراكز مسئولة، سمعنا عن نواب القروض "وكان أحدهم رئيس اللجنة المالية بالمجلس الموقر" وعن نواب المخدرات وعن نواب النقطة، وعن نواب سميحة! وسمعنا عن وزارات أصبحت مغارات لصوص وأغرب شيء أن لا تمتد يد العدالة لتقطع اليد الآثمة التي سمحت بهذا الفساد وتسترت عليه وحمته.

 

  إن المسئولين الذين لديهم بقية من ضمير عندما تحدث منهم أو من يمثلونهم عشر معشار ما يحدث بمصر ينتحرون لأنه لا أقل منه صورة للاعتذار.

 

  وماذا ننتظر إلا وعيد الله "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا". [الآسراء: 16]. إذن لابد من التغيير. وقد حانت ـ أو كما قلنا ـ فاتت ساعته المأساة أنه عندما جاء وقت التغيير أتضح أن القوى التي ستقود التغيير غير مؤهلة لذلك والقوى المؤهلة لذلك في نظر الحكومة هي الأحزاب وأنا لا أعلم كم حزبا لدينا قد يكونون عشرين أو أكثر أو أقل ولكن الأحزاب المعروفة هي الوفد، والتجمع، والناصريين، والأحرار.

 

  كانت هذه الأحزاب من الهشاشة والتفكك بحيث عجزت عن أن تقود حركة التغيير، وعندما تجمعت وكونت حركة "كفاية" فإنها لم تستطع أن تعبئ في الشارع أكثر من بضع مئات.

 

  وعندما أرادت ترشيح رئيس في مواجهة الرئيس مبارك كان أكثرها توفيقا هو التجمع الذي رشح خالد محيي الدين رجل 23 يوليو الذي جاوز السبعين فكأن 23 يوليو لم تنجب إلا نفسها!

 

  ولا نبالغ إذا قلنا إن قوة التغيير التي جاءت من الضغوط الخارجية كانت أقوى من قوة التغيير التي جاءت من المحاولات الداخلية. وهذا ولاشك دليل إفلاس. القوة الوحيدة التي لها كيان مستقل وجمهور منظم هي الإخوان المسلمون. وقد فوتت الحكومة على نفسها فرصة تأمين نفسها من هذا الخطر الحقيقي عليها وظلت حتى الآن تدعي في استعلاء أنها الهيئة المحظورة، وبذلك دفعت الإخوان الذين عرف عنهم الصبر والمطاولة والاستعداد لعقد الصفقات ـ إلى التحالف أخيرا.

 

  هل ينجح التحالف؟ هل يقدم الإخوان الجمهور ـ وتقدم الأحزاب الواجهة الشرعية هذا في نظري هو الأمل الوحيد لإعطاء قوى التغيير الدفعة المطلوبة.

  

  إذا تجاوزنا هذا المأزق، فهناك مأزق آخر، أشد وأقوى، إن كل القوى اتجهت لتعديل المادة 76 وما شابهها التي تحول دون توارث السلطة وتعطي الفرصة للقيادات الشابة.

 

  صحيح أن توارث السلطة أمر كريه، وكان من أسباب تأخر المجتمع الإسلامي منذ أن أخذ به معاوية بن أبي سفيان سنة 40 هجرية ولكن هناك وجهاً آخر للقضية أشد أهمية.

 

  إن توارث السلطة ـ رغم أنه كريه وسيئ هو أخف من أن يكون نظام الحكم نفسه سيئاً ــ لأن سوء نظام الحكم سيجعل كل من يعتلي الحكم سيئا. وليس المهم أن يكون من يحمل اسم رئيس الجمهورية مبارك أو عمر أو إبراهيم إلخ. المهم أن يكون النظام الذي سيحكم به نظاما صالحا. فإذا لم يتغير نظام الحكم، فما قيمة تغيير الأشخاص؟ لقد قالها أحد الناخبين المؤيدين لمبارك "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش!!".

 

  وقد غفلت المعارضة وقوى التغيير ـ في غباء منقطع النظير ـ عن هذه الناحية، فحتى لو نجحت في التغيير، فلن يكون التغيير إلا تغييرا في الأسماء!! كان يجب على قوى التغيير أن تتفق على ثلاث نقط رئيسية نراها هي الجوهر في التغيير، وأن تتمسك بها وتعتبرها مسألة حياة أو موت.

 

  هذه النقط هي:

  الأولي: إلغاء كل النصوص التي تقيد حرية الفكر والتعبير أي حرية المعارضة السياسية وتأليف الأحزاب وتكوين النقابات وحرية الصحافة والقضاء قضاء مبرما على كل القوانين سيئة السمعة وأولها قانون الطوارئ وأن تصبح مهمة وزارة الداخلية القبض على اللصوص لا اعتقال الشرفاء وتكميم الأفواه.

  النقطة الثانية: تغيير طريقة الحكم من النظام الرئاسي إلى النظام الوزاري الذي يركز السلطة في الوزارة وليس في الرئاسة وتكون الوزارة مسئولة أمام مجلس الشعب الذي يناقش الميزانية بندا بندا والذي يمكن أن يسحب الثقة من الوزارة فتسقط.

  النقطة الثالثة: استقلال القضاء استقلالا تاما باعتباره سلطة مثل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والحيلولة دون أي تدخل أو إشراف على القضاء.

 

 هذا في نظري هو الذي يحقق التغيير الحقيقي ويؤذن بالفجر الصادق أما تغيير الوجوه فإنه الفجر الكاذب.

 

للتعليق على هذا الموضوع