1 ديسمبر 2005

 

خيار المواطنة (4 ـ 6)

جمال البنا

 

 

  تقدم المواطنة خيارا مريحا للأقلية الأقباط، فالمفروض أن المواطنة إنما تنشأ عن "الوطن" الذي يعيش عليه الإنسان، وينسب إليه والأقباط يعيشون علي هذه البلاد حتى قبل ظهور الإسلام فلا يمكن لأحد أن ينكر عليهم أنهم "مواطنون أصلاء".

 

  ويقترن بالمواطنة المساواة في الحقوق والواجبات فهذا شرط أساسي لقيام وطن حر. ومجتمع سليم يخلو من العقد والمشاكل. ويفترض بالطبع أن يكون هذا التساوي حقيقيا، وأن يكون مستنده هو المواطنة، التي كما ذكرنا حق ثابت للأقباط.. وأي ممارسة أو إجراء يخالف قاعدة المساواة يعد مخالفا لدستور المواطنة الذي هو في أصل كل الدساتير.

 

  ومن زاوية الفكر الإسلامي، فإن الإسلام لا يرفض المواطنة بل يأخذ بها، بل يمكن القول إن الإسلام كان أسبق النظم إلي التوصل إلي هذا المبدأ وتقريره بالفعل. فعندما دخل الرسول المدينة وجد فيها الأنصار وهم السكان الأصلين للمدينة، ووجد معهم اليهود الذين أقاموا في المدينة واشتغلوا بالتجارة والحرف وأقاموا لهم آطاما أو حصونا وعقدوا محالفات مع الأنصار كما كان هناك المهاجرون الوافدون علي المدينة هربا من الاضطهاد في مكة. كان من الأعمال الأولي للرسول أن كتب وثيقة يطلق عليها في الكتب التراثية "صحيفة الموادعة" ويطلق عليها في الكتابات الحديثة دستور المدينة جاء في هذه الوثيقة أن المهاجرين الوافدين ـ والأنصار وهم سكان المدينة الأصلاء واليهود المتحالفين مع الأنصار "أمة واحدة" للمسلمين دينهم ولليهود دينهم وهم يتكافلون بالمعروف ويدافعون معا عن المدينة. ومعني هذا أن هذه الوثيقة اعتبرت اليهود الذين لم يكونوا سكانا أصلاء مواطنين كالمسلمين وأنهم معا يكونون أمة واحدة.

 

  ونحن نعترف أن هذه السابقة لم تتابع في نظم الحكم الإسلامي وأن صورة أخري محلها لم تكن هي الصورة المثلي ولكنها بنت الضرورات والأحكام التي انتهي إليها الفقهاء، وكانت تعارض في قضية المواطنة ما قرره الرسول، وما كان يجب أن يؤخذ به، وهناك احتمال قوي ـ إذا قامت دولة إسلامية، تأخذ بما وضعه الفقهاء "وليس ما قرره الرسول" أن يحيف علي الأقباط أو غيرهم من الأقليات، وقد كان هذا أحد الأسباب ـ حتى وإن لم يكن أقواها ـ في إننا استبعدنا أصلا فكرة إقامة دولة إسلامية وعرضنا مبررات ذلك في كتابنا الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة.

 

  ولكن للقضية أبعاد أخرى..

 

  فمع نيل فكرة المواطنة، فإنها تركز علي عنصر "الانتماء" وأنها لا تثمر سوى الوطنية والوطنية عاطفة نبيلة دون شك ويجب أن يتسم بها كل من يعيش على أرض الوطن، ولكن ما أكثر ما أسئ فهم "الوطنية" وما أكثر ما شنت حروب وسفكت دماء باسمها.. وما أكثر ما يحدث أن يصل التعصب بها إلى "الشوفونية".

 

  وقد عايشنا صورة بغيضة لها عندما احتدم الصراع ما بين سعد زغلول وعدلي ونادي بعض غلاة "الحماية على يد سعد أفضل من الاستقلال على يد عدلي". ولو رشح الوفد حجرا لانتخبت الوفد". وعندما أطلق سعد زغلول على اللجنة التي وضعت دستور 23 "لجنة الأشقياء" وقد كسب بعد ذلك جزءا من مجده بالدفاع عن هذا الدستور نفسه.

 

  والأمر بعد لم يقف عند هذا..

 

  بجانب عاطفة الانتماء توجد في الإنسان عاطفة أخرى يمكن أن نسميها الولاء وعاطفة الانتماء تعود إلى الأرض. وعاطفة الولاء تعود إلى الفكر الذي نجد أكثر بلورته تركزا في الدين، وهكذا نرى مرة أخرى عاطفتين ـ وليس عاطفة واحدة ـ تتقاسمان نفس الفرد وقد يحق لأصحاب الأديان أن يقولوا إن عاطفة الولاء التي تأخذ شكل الإيمان أقوي من عاطفة الانتماء التي لا تعود إلا إلى مصادفة هي ولادة الفرد على هذه الأرض. وقد رأينا المونستيور باسيليوس يقول إن المسيحي لا يعدل بدينه دينا آخر، وأن التساهل في المعتقدات يكون على حساب نقاء عمق الإيمان.

 

  من هنا فإن خيار المواطن، وإن قدم مظلة يستظل بها الجميع فإنها لا تنفي وجود ولاءات مختلفة داخلها. وهي وإن كانت مقصورة على العقيدة دون غيرها من المجالات، فإن المجالات الدينية تتفتح على مجالات أخرى وتسحب على الأعياد، والأضحية بحيث تتغلغل في سرداب الحياة الاجتماعية.

 

  وهناك كلام كله صحيح، ولكنه لا يمثل مشكلة لأنه ليس هناك تعارض ما بين الانتماء للأرض والولاء لله، لأن مجال كل واحد مختلف عن الآخر فيفترض أن يكون الفرد وطنيا مخلصا، وفي الوقت نفسه مؤمنا خالصا لدينه ـ إسلاما أو مسيحية ـ فليس هناك تعارض فالانتماء الوطني لا يرتفق، ولا يضيق بالإيمان الديني، والإيمان الديني يرفض الوطنية وقديما علمونا حب الوطن من الإيمان.

 

  بل يمكن القول إنهما يجتمعان في النهاية لأنهما معا يمتان إلي عالم القيم، ولأن الخير أن يوجدا معا لأن أحدهما يصلح الآخر كأنهما اليدان تغسل إحداهما الأخرى فالدين يكبح من جماح الوطنية والوطنية تنزل الدين من سماواته إلى الأرض والناس.

 

 

خيارات قدرية 2

حديث القلب والعقل 1

 

 

للتعليق على هذا الموضوع