15 ديسمبر 2005

 

 

 

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني "6-6"

جمال البنا

 

 

  الله الواحد هو "العقل" الأعظم ولما كانت المسيحية تنادي بأن الله قد ظهر وتجلي في المسيح، علي نظير ما ظهر للنبي موسي في العليقة وتجلي في المكان دون أن يحدده المكان، لذلك كان المسيح هو "الكلمة"، قال الإنجيل "في البدء كان الكلمة" والكلمة تجسيد "للعقل" فإن "العقل" غير منظور، ولكنه يظهر في "الكلمة" وهو أيضًا "الابن" لا بمعني الولادة في عالم الإنسان بل أنه "صورة الله غير المنظور" كولوسي "1:15".

  والله الواحد هو "الروح" الأعظم، وهو "أبو جميع الأرواح" ولهذا فهو "الروح القدس" لأن الله قدوس.

  وعلي ذلك فإيمان المسيحيين بالتثليث لا يتعارض مع إيمانهم بالتوحيد لأن التثليث ليس تثليث ذوات ولكنه تثليث أقانيم، والأقانيم صفات وخاصيات في الاله الواحد، لكنها صفات وخاصيات ذاتية وليست مجرد صفات نسبية والصفات والخاصيات الذاتية ما تقوم به الذات.

  وعندهم أن الله الواحد كائن بذاته ناطق بكلمته، حي بروحه.

  ولذلك يقولون في البسملة "بأام الاب والابن والروح القدس، الاله الواحد".

  انتهي بحب الأسقف غريغورس.

  نعتقد بعد هذا الكلام لا يمكن الشك في العلاقة الوثيقة والخاصة ما بين الإسلام والمسيحية.

  وجاء التاريخ ليؤكد ذلك ويصدقه فمعروف بالطبع أن البيزنطيين الذين كانوا يحكمون مصر قد اضطهدوا الأقباط اضطهادًا مستمرًا ودائمًا وعندما دخل عمرو بن العاص فإن دخوله بالنسبة للأقباط كان دخول محرر لا فاتح وقد أعانه الأقباط من جانبهم، واستدعي هو البابا بنيامين الذي كان هاربا في الصحراء من اضطهاد البيزنطيين وسلمه شئون الكنيسة كاملة، ومن النادر أن نجد مثالاً لهذا إن دخول الإسلام كان ميلادًا جديدًا للكنيسة القبطية وتحريرها.

  وخلال الحكم الإسلامي الطويل مر بالأقباط ما مر بالمسلمين من رخاء أو شدة، عدل أو عسف، ووصلوا في عهد الفاطميين إلي أعلا المناصب حتى اشتكي المسلمون ولم يتعرضوا لاضطهاد خاص إلا علي أيدي قلة من الحكماء الذين عرفوا بالشذوذ.

  إن كل شيء مما قدمناه يدعو إلي "الجمع" لا إلي "الفرق" الاتحاد والتعاون لا الانفراد والتخاصم وهذا هو فعلاً ما كان في سحابة التاريخ وحرص أباء الكنيسة علي أن تكون علاقتهم بحكام مصر علاقة ممتازة، تقوم علي التقدير وبادلهم حكام مصر هذه العاطفة وتبرعوا لبناء المدارس والكنائس.

  أليس من الطيش والحماقة تعويض هذا التراث الجميل لانحراف آحاد من المسلمين أو آحاد من الأقباط؟

  لقد كان يمكن أن تتم مثل هذه العلاقة ما بين المسلمين واليهود الذي رفعهم القرآن إلي أعلا المنازل، ولكنهم في علاقتهم بالدين الجديد وبرسوله كانوا كعلاقتهم القديمة مع بقية الرسل والعقائد استعلاء وأثره وفكرة مؤصلة أن الجنس اليهودي هو وحده أصل الرسالات والأديان جميعًا، ومع أن الاسلام يشترك مع اليهودية في الأب الأعلي إبراهيم وأن الرسول هو من نسل ابن إبراهيم وبكره إسماعيل فإن هذا لم يشفع لهم أو يكفكف عن غلوائهم، فساءت العلاقة ما بين الاسلام واليهودية لهذا السبب، وهي إساءة لا تلحق الدين ولكن تلحق الذين تدينوا بهذا الدين وأرادوا احتكار الرسالات السماوية.

  قلنا في مستهل الفصل إن هناك حقيقتين تعملان علي دعم خيار التعايش الايماني، وقد عرضنا للأولي الثانية فهي أن العالم يعيش في الفترة الماثلة في أحد منعطفات التاريخ عندما بلغت الرأسمالية الأوج وورثت بقية النظم الاقتصادية، وظن أنها هي "نهاية التاريخ" وأرادت أن تبسط فكرتها وفلسفتها علي العالم أجمع فيما سمي بالعولمة التي تستهدف أن تجعل العالم "سوقا" تنتقي منه، أو نطمس المقومات التاريخية والدينية لكل دولة وتستبعد كل الفلسفات والمذاهب التي تعلي من قيم الخير، والحب، والايثار التي تتمثل أقوي ما تتمثل في الأديان لتسود شرعة الأنانية، والقوة، والأثرة وأن يزداد الأغنياء غني، ويزداد الفقراء فقرًا.. وأن تكون الثروة والسبق الاقتصادي هي رموز التقدم وهي روح العصر وأن يكون الهدف هو الاستمتاع والاستمتاع والمزيد من الاستمتاع.

  إن هذه الحقيقة التي تزحف فيما يشبه الطوفان تهدد كل المؤمنين بالدين، ليس فحسب بالأديان السماوية، ولكن الأديان قاطبة من زرادشتية أو بوذية أو كونغوشية وهي تعمل جاهدة لطمس هذه الأديان، أ و حتي القضاء عليها.

  أفلا يدعو هذا المصير كل المؤمنين للاجتماع معا والتعاون معا علي صد هذه الجائحة المدمرة؟ التي تجعلهم - رغم الاختلافات العديدة - ضحية لمصير واحد.

  إنني اتصور أن تنشأ في المستقبل "أممية" إيمانية تقف في وجه الأممية الرأسمالية وتحول دون أن تذوب وتحد من طغيانها بحيث تحتفظ لشعوبها بآرائهم وخصوصياتهم، أو وحقوقهم وأديانهم وموروثاتهم وعناصر الخصوصية فيهم.

  وحتي يتم هذا فلا أقل من أن يتعايش المسلمون والمسيحيون تعايشًا إيمانيًا يجمعهم ويستبعد الفروق لأن الأمر أهم واخطر.. وما المانع أن يحس القبطي نحو المسلم بعاطفة أخوه وهما معا يؤمنان بأنه واحد ودينين يتفقان في الأهداف وان اختلفا في اللاهوت.

  أعرف اقباطا عديدين يؤمنون بالماركسية ويرفضون الاسلام وأعجب كيف وهم أقباط يؤمنون بمذهب يري الأديان أفيونا للشعوب ويرفضون دينا يعترف بالمسيح، ومريم ويؤمن بعيسي ومريم ويجعلها سيدة نساء العالمين؟ أفلا يعد هذا من المفارقات القادحة، الفادحة.

  إن خيار التعايش الايماني هو أنبل صور للتعايش وفي الوقت نفسه هو أمسها وأكثرها أهمية لمواجهة العولمة.

  ألا ينادي دين المسيح ودين محمد بالنهي عن القتل والزنا والسرقة والكذب وشهادة الزور، وألا يجعل المؤمنون الله عرضة لإيمانهم.

  ألا يأمر الدين الإسلامي والدين المسيحي المؤمنين أن اركعوا واسجدوا واعبدوا وافعلوا الخير وأن يقضوا بالحق وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل.

  ألا يتفق الدين المسيحي مع الدين الإسلامي على أن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن أتقي، والدار الآخرة خير للذين يتقون وأن المتقين هم أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وأن الآخرة هي دار القرار، وأن الآخرة خير وأبقي.

 

 

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني 1

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني 2

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني 3

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني 4

إخواني الأقباط خيار التعايش الإيماني 5

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

Sent :  Friday, December 16, 2005 12:13 PM

 

name = محمد جواد

email = madpalestine@hotmail.com

phone = +965 7889843

comments = الدكتور جمال البنا ، السلام عليكم ..

 

هل نستطيع مراسلتك على البريد؟ هل هناك قسم س و ج لديك للقراء ؟؟؟

 

 

شكراً