Middle East Transparent

27 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الشيخ المفكر الإسلامي جمال البنا

 

من الخير أن يخلص الدستور من النص على "الإسلام دين الدولة"

أو أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع

 

لن تتحقق الثورة الإسلامية على يد الإخوان المسلمين

أصول الفقه عندي هي العقل أولا، وليس القرآن

 

حوار:سامح سامي

ذهبت إلى الشيخ المفكر جمال البنّا، الذي قارب الثمانين من العمر، رأيته أكثر من مرة في مسكنه بوسط القاهرة بالحي الشعبي في باب الشعرية، وسط مكتبته التي تضم كتبا لا تحصى. وكنت لا افهم كيف  ُكتب عنه من قبل: احذروا من جمال البنا، فانا أراه رجلاً بسيط، غير غامض في أفكاره، غير ثوري في اطروحاته، وكلماته لا يختلف عليها الكثيرون، لأنه مثل الكثيرين الذين يستمدون كلماتهم من الكتب الشائعة حتى أوقفوا إعمال العقل. ولكن في جلسته الأخيرة التي أجريتها معه حول جماعة الإخوان المسلمين، ارتبكت من أفكاره الثورية، وتجديده في الفقه الإسلامي فهو يطالب بفقه القرآن تجاوزا عن فقه السنة وفقه المذاهب، كما يشدد على تعطيل بعض نصوص القرآن الكريم التي كان لها زمان ومكان معين انتفت بانتفاء هذا الزمان والمكان. وأدركت معنى: احذروا من جمال البنا. في هذا الحوار الذي امتد أكثر من ثلاث ساعات تحدثنا عن جماعة الإخوان المسلمين، ومن الذي قتل حسن البنا، واختلافه عن فكر الجماعة، وتقييمه لهذه الجماعة الآن. وتناولت الحلقة الأولى تقييمه لجماعة الإخوان، وصدام عبد الناصر مع المرشد الهضيبي، ومظاهر ضعف جماعة الإخوان بعد اغتيال البنّا، وأزمة الدعوة الإسلامية، أما الحلقة الثانية فدارت حول الإخوان المسلمين والحكم، والتعددية والدعوة الإسلامية، وخوف الأقباط من حكم الإخوان. فيما يلي نشر الحلقة الثالثة.

 

*ولكن الإخوان قالوا على لسان مصطفى مشهور أنهم لن يقبلوا بالتعددية حين يتولوا الحكم، تعليقك؟.

** هذا كلا فارغ بالطبع، لأنه لا تكون هناك تعددية حزبية إلا عند ممارسة الحكم.

وإن الشك في عدالة الإسلام أو الضيق بحكمه لم يكن في أغلب الحالات – إن لم يكن في كلها – صادراً من المسيحيين العرب. وبقدر ما يكون المسيحيون عربا تستقيم العربية على ألسنتهم بقدر ما يكون التجاوب بينهم وبين إخوانهم المسلمين، وبقدر ما يتأثرون بالدعايات الأوربية أو الحضارة الأوربية التي لم تعرف التسامح بقدر ما تبعد الشقة بينهم وبين المسلمين. ومصداق ذلك سلبا وإيجابا موارنة لبنان وقبط مصر. إن موارنة لبنان الذين تأثروا بالفرنسية حتى سلختهم من العربية. وأصبحوا يتحدثون الفرنسية ويتأثرون بالمدنية الفرنسية أكثر مما يتحدثون العربية أو يستشعرون الحضارة العربية أصبحوا ينظرون إلى المسلمين نظرة الشك والعداء. وعندما قامت الحرب الأهلية ارتكبوا من الفظائع ما تقشعر له الجلود. أما قبط مصر الذين عايشوا الفتح الإسلامي منذ بدايته واندمجوا في المجتمع العربي فإنهم لم يستشعروا أبداً أية حساسية نحو الحكم الإسلامي أو أي وحشة أو غربة بينهم وبين إخوانهم المسلمين. وقد كان ولا يزال التقدير متبادلاً والمشاركة العاطفية في المناسبات الدينية تقليدا مقررا وسائداً.

  وقد وجهت مجلة الدعوة** في عددها الصادر في فبراير سنة 1977 سؤالين إلى عدد من أقطاب الطائفة المسيحية (على اختلاف مذاهبها) هما:

‌أ- إذا كان الإسلام والمسيحية ملتقيين في تحريم الزنا – مثلاً – ومحاربته، فهل عندكم مانع في تطبيق حد الزنا وبقية الحدود الإسلامية الأخرى على من استوجب إقامتها عليه في المجتمع المصري؟ وهل ترى في تطبيقها ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم؟

 

‌ب- من خلال دراستكم للتاريخ ماذا ترون في حكم الإسلام بالنسبة للأقليات من ناحية العبادة والأموال والأعراض؟

 

عن السؤال يجب الكاردينال أصطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك: "الأديان السماوية تشير إلى تحريم القتل أو الزنا وإلى المحبة والمعروف أن من يحب الله يحب أخاه. ومن يدعي أنه يحب الله ولا يحب أخاه كاذب. فالقتل والزنا والسرقة إلى آخر المنكرات ضد المحبة؛ لأن الله خلق الإنسان ليكون مستقيما غير منحرف ويستفيد من التعاليم الإلهية. ولذلك فالذي يشذ عن نظام الله وتعاليمه بعد أن تكفل له أسباب العيش ومستلزماته – يجب أن تطبق عليه حدود شريعة الله ليرتدع ويكون عبره لغيره وحتى لا تعم الفوضى عندما يقتل أحد أخاه ولا يقتل أو يسرق ولا تقطع يد أو يزنى ولا يقام عليه حد الزنا – وهذا ما وجدناه في القوانين الوضعية التي تجامل الناس وتلتمس لهم مختلف الأعذار مما جعل المجتمع غير آمن على نفسه أو ماله أو عرضه. وأعود فأكرر أن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ضروري على الشخص وعلى المجتمع حتى تستقيم الأمور وينصلح حال الناس. وليس في تطبيقها أبداً ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم".

 

كما أجاب غبطة الكاردينال عن السؤال الثاني فيقول :

"إن الذي يحترم الشريعة الإسلامية يحترم جميع الأديان، وكل دين يدعو إلى المحبة والإخاء وأي إنسان يسير على تعاليم دينه لا يمكن أن يبغض أحدا أو يلقى بغضاً من أحد ولقد وجدت الديانات الأخرى – والمسيحية بالذات – في كل العصور والتي كان الحكم الإسلامي فيها قائماً بصورته الصادقة ما لم تلقه في ظل أي نظام آخر من حيث الأمان والاطمئنان في دينها ومالها وعرضها وحريتها" ..

 

أما الأنبا الراحل غريغوريوس أسقف البحث العلمي والدراسات العليا اللاهوتية بالكنيسة القبطية وممثل الأقباط الأرثوذكس فقد أجاب عن السؤال الأول السابق قائلاً:

 

"إن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مصر أمر لا شك فيه ولا اعتراض عليه فالشرائع السماوية نور وهداية للبشر. ونحن نؤمن أن الدين لم يعط للناس إلا ليكون عونا لهم لتصير حياتهم به أفضل مما تكون بغيره والهدف من الوحي الإلهي تحديد الطريق الذي يساعد الإنسان على أن يعيش بمبادئ الدين سعيداً كريماً".

 

وأضاف الأنبا غريغوريوس قائلاً "رغم أن الديانة المسيحية ليس في نصوصها قطع يد السارق أو قتل القاتل إلا أننا كمسيحيين لا نعارض في تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر إذا كانت هذه رغبة إخواننا المسلمين. وفى نظري أن هذا لن يتحقق كما يجب إلا إذا ضمنا للقضاء سيادته الكاملة التي تعطى له حرية التحقيق الشامل والتقصي للجريمة وأسبابها".

 

أما السؤال الثاني فيجيب عنه أسقف البحث قائلاً :

"لقد لقيت الأقليات غير المسلمة والمسيحيون بالذات في ظل الحكم الذي كانت تتجلى فيه روح الإسلام السمحة كل حرية وسلام وأمن في دينها ومالها وعرضها".

 

*وهل تعتقد أن الإخوان يؤمنون بالديمقراطية؟

** لا يوجد حزب ديني يؤمن بالديمقراطية.

 

* إذن صعب أن يتولى الإخوان الحكم؟

** لو حدث هذا فلن يتم بالصورة التي في ذهنك. لان الإخوان من الصعب أن ينجحوا في أية انتخابات بنسبة 100 بالمئة، لان هناك قوى أخرى غير الدين. وقصارى ما يحصل عليه الإخوان 40 بالمئة. في هذه الحالة لابد أن يكونوا الوزارة الائتلافية أي وزارة الإخوة الأعداء. ولو قاموا بثورة فمن حقهم أن يطبقوا جميع خطوطهم، ولكن مبدأ الثورة أسلوب فاشل وله مخاطر. والثورة التي تتصورها أي تطبيق الشريعة لن تتحقق إلا تدريجيا. ولن تتحقق ثورة إسلامية على يد الإخوان المسلمين.

 

**وما رأيك في الحرية؟

**لا  توجد حرية في مصر أو غيرها، والناصريين ابعد الناس عن الحرية وكذلك الماركسيين حيث نظّر لينين نظرية ضد الحرية، كما كتب تروتستكي كتابا تحت عنوان: "دفاعا عن الإرهاب". والمؤسسة الدينية أبعد المؤسسات عن الحرية. لذلك ليس عندنا حرية. لذلك فالإخوان أيضا ليسوا من دعاة الحرية.

وما ينقص الإخوان الآن أنهم يعيشون في الزمن الفائت، فهم يمثلون السلفية.

 

* لماذا لم تنضم إلى جماعة الإخوان؟

** أنا تربيت على التعاليم المدنية أما الأستاذ (حسن) البنا فتربى منذ ميلاده على التعاليم الدينية. فالطريق أمامه كان ممهدا لكي يكون داعية إسلاميا. أما أنا فكان ليّ تفكير مدني نتيجة التعليم المدني، ولكن هناك سبب أخر وهو أن متابعاتي كانت على النقابات والحضارات والنظريات السياسية، فكانت اتجاهاتي مختلفة وبعيدة بعض الشيء عن جماعة الإخوان.

 

* ولكني أراك مهتم جدا بالإخوان؟

** أنا بيني وبينهم وشيجة لا تمحى، وقضيت معهم بعض الأوقات وتوليت بعض المناصب لديهم أخرها سكرتير تحرير مجلة الشهاب التي كان يصدرها الأستاذ البنا. وأنا الآن بعد رحلاتي الفكرية عدت إلى الفكر الإسلامي. ولكن الإسلام بتاعي غير الإسلام بتاعهم.

 

* كيف ذلك؟

** هناك اختلافات كثيرة، فالإخوان يمثلون السلفية والقرضاوي سلفي وكل الهيئات الإسلامية سلفية، وسليم العوا ومحمد عمارة سلفي. أي أنهم يفهمون القران الكريم عن طريق المفسرين، مثل الطبري والزمخشري. أما أنا فأقول إن كل هذه التفسيرات قد أساءت إلى القرآن والإسلام، ولا يجوز أن نلتزم بها ومن الخير ألا نعود إليها نهائيا. ونرجع إلى القرآن نفسه. وهذا بالطبع البعض سيقول عنه كفر. كما أن أصول الفقه عندي هي العقل أولا وليس القران. وأقول لكي نفهم القران لابد من إعمال العقل. فنسبة العقلانية كبيرة في فكري. كما استبعد – في عقيدتي- كل الكلام الخاص بما بعد الموت، وكل ما جاء في الشريعة يخضع لتوفر الأصل الذي قامت من اجله الشريعة، والشريعة قامت لأصل واحد وهو العدل. كما أؤمن بحرية العقيدة والفكر ولا أتصور في حدود مثل حد الردة أو أي رقابة على الفكر كالتالي يمارسها الأزهر الشريف.

 

 كما أقول إن الشريعة في بعض نصوصها يجوز أنها تخلّفت؛ لأنها جاءت منذ 1400 سنة، وهذا ما عمله عمر بن الخطاب حين جدد في الدين عندما عطل بعض النصوص التي انتفت علتها.

كما قلت إن الحكمة مصدر مثل القران والسنة. الشافعي تصور أن الحكمة هي السنّة، ولكن الحكمة هي ثقافات وحضارات الشعوب المختلفة كلها. وهذه اختلافات بيني وبين الإسلام السلفي.

 

* أود أن اعرف أولى محاولات تطبيق فكرة الدولة الإسلامية

**تعد التجربة التي قامت نتيجة لتحالف الإمام محمد بن عبد الوهاب مع حاكم نجد الأمير سعود في السنوات الأولى للقرن التاسع عشر هي أولى تطبيقات تنظير الدولة الإسلامية. فقد أراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب القضاء على البدع التي تفشت في عهده وكان أبرزها تقديس الأولياء والاعتقاد في شفاعتهم في الدنيا والآخرة. وبناء المآذن والقباب العالية فوق القبور في المساجد – وارتأى كما ارتأى كل منظري الدولة الإسلامية – أن السلطة هي التي يمكن أن تقضي على هذه البدع فتحالف مع الأمير سعود أمير نجد الذي آمن بالفكرة. ووجد إن إقامته الدولة على أساس الدعوة سيكفل لها الغطاء الفكري، وسيدعم قوتها المادية بقوة إيمانية. ويعزز الحكم القبلي بدعم إيماني. وباستثناء الدائرة الضيقة لما يتعلق بالشفاعة والأولياء والقبور الخ.، فإن الفكر الوهابي لم يقدم شيئاً وقد عنيت الأجيال التي جاءت بعد محمد بن عبد الوهاب بشرح المذهب الحنبلي، ولكن ذلك لم يقدم جديداً بالنسبة لنظم الحكم.

 

*ولكن هل ترى أن الإسلام يتفق مع أولى المبادئ التي تقوم عليها الدول وهي العلمانية؟

** لعل أقوى ما يجمع بين العلمانية والإسلام هو ما انتهى إليه اجتهادنا أخيراً من إن الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة، فالمعروف أن حقيقة العلمانية هي الفصل ما بين الدولة والدين، وهذا الاجتهاد الأخير يتلاقى مع جوهر العلمانية.

 

وقد بنينا هذا الاجتهاد على أساس مبدأ محوري هو أن السلطة تفسد الإيدلوجيا. ولما كانت خصيصة الدولة هي السلطة، فإنها ما أن تعالج الإسلام حتى تفسده. وقد حدث هذا عندما حولت الخلافة الراشدة إلى مُلك عضوض فيه كل ما في الملك من سوءات.

 

وهذا أمر ليس مقصوراً على الإسلام، بل هو يشمل كل القيم كالمسيحية، والاشتراكية، وفى الكتاب الذي أصدرناه عن هذا الموضوع عرضنا في فصل مسهب كيف حولت السلطة المسيحية وهى دين الحب والسماحة إلى محكمة تفتيش رهيبة. كما خصصنا فصلاً أبرزنا فيه كيف أن السلطة حولت الاشتراكية، وهى أمل العمال، إلى نقمة على العمال وإلى دولة شمولية هي التي وضعت أسس الحكم الشمولي وتتلمذ فيها هتلر وموسوليني، فهو مبدأ عام. وقد كانت العلمانية محقة عندما ارتأت الفصل بين الدين والدولة .

 

ولكن ليس معنى هذا أن الدولة في أمة مسلمة تكون علمانية. لأن عدداً كبيراً من العوامل تفرض نفسها، وتجعل موقف الدولة يختلف نسبياً عما هو الحال في الدول في الغرب.

 

فلا شك في أن الإسلام وضع أصولاً اقتصادية وسياسة واجتماعية لصلاح المجتمع. ولكنه لم يتقدم بها إلى الدولة التي لم يذكرها القرآن ولكن إلى الأمة التي ذكرها في قرابة خمسين موضعاً.

 

ففي السياسة حرم الظلم والطغيان وأمر بالعدل والشورى وفى الاقتصاد وحرم الربا والاكتناز والاستغلال وأمر بالزكاة وفى المجتمع أفترض المساواة، ولا فخر لعربي على عجمي إلا بالتقوى وأمثال هذه كثير.

 

ومن المسلّم به أن الدولة الديمقراطية هي التي تتجاوب مع شعبها وتحكم بإرادة جمهورها، فإذا كان هذا الشعب مسلماً فيجب أن يكون هناك تجاوب وتعاطف خاصة وأن الإسلام يشغل منزلة مكينة في نفوس المؤمنين به ويصبح من غير المتصور أن تقف الدولة موقفا حياديا. فمع أن الدولة لا يجوز لها أن تحمل صفة الإسلام أو تمارس مهاماً إسلامية، إلا إنها تظل مع هذا غير علمانية. لأنها لا يمكن أن تكون محايدة إزاء عواطف الشعب.

 

وإنما استطاعت الدولة في الغرب أن تكون غير علمانية لأن الدين لا يشغل منزلة عميقة في نفوس الأوربيين الآن؛ ولأن المسيحية لم تعن بشئون الحياة الدنيا. أو تضع خطوطاً عريضة كالتي وضعها الإسلام عندما أوجب الزكاة وعندما ندد بالظلم والطغيان وعندما أوجب الحكم بالعدل وعندما حرم الربا.  بل أكثر من هذا يمكن أن نقول إن الديانة العميقة التي هي في جذر المجتمع الأوروبي/ الأمريكي هي الوثنية التي كانت عليها الحضارة اليونانية/ الرومانية وهى أعظم مكونات الحضارة الحديثة. فالدولة في أوروبا، وإن كانت علمانية، إلا إنها تحكم بالدين الذي هو في جذر إيمان الأوروبيين وهو تأليه الإنسان. ومن أجل هذا كانت متسقة مع نفسية شعوبها. وأخيراً فيمكن القول إن الدولة في أوروبا وأمريكا متعاطفة مع الكنيسة وإن كانت مستقلة عنها. لأن الاستقلال لا يعنى الحياد. والمحاولات التي تناصر فيها الدولة في أوروبا وأمريكا الكنائس عديدة. إن بعض الكتاب يريد أن يعطينا انطباعاً أن الدولة في الغرب علمانية تماماً مئة في المئة.

 

ومن ثم فنحن لا نستطيع أن نطلق على الدولة – لأمة مسلمة – وصف العلمانية. ولكن "المدنية" فدولة الأمة الإسلامية دولة مدنية لا تدّعي الإسلام، ولا تمارس مهاماً إسلامية. ويكون جوهر دورها هو المهام المدنية من تعليم ورعاية وخدمة، ونهضة بالاقتصاد والتنمية، وهى لا يمكن أن تتجافى عن إرادة شعبها وعندما يريد شعبها تطبيق توجيهات إسلامية معينة فعلينا عندئذ أن تنصاع لإرادة شعبها. لأن الأمة – وليس الدولة – هي مصدر السلطات.

 

ولأن هذا هو المسلك الديمقراطي الذي لا مناص منه.

 

إن تعبير الدولة المدنية يحل لنا الإشكال بين العلمانية التي تشيء بموقف محايد من الدين، وبين الدولة الدينية التي تسخر الدنيا للدين. وفى الوقت نفسه فإنه لا يحيف على المبدأ الأساسي في الديمقراطية وهو أن تكون الأمة – وليس الدولة – هي مصدر السلطات.

 

*ولكن الدستور يقول إن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع في مصر.

** من الخير أن يخلص الدستور من النص على "الإسلام دين الدولة" أو أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لأن هذه يمكن أن تفتات على طبيعة "المدنية" المطلوبة للدولة، وأنها يمكن أن تستغل من قبل فئات إسلامية تفسر الإسلام تفسيراً يفرض على الدولة ما يعارض حرية العقيدة، وما يخالف مقتضيات التطور والمصلحة العامة فضلاً عن أنه يمكن أن يثير حساسية الأقباط. وهذه كلها مخاطر حقيقية يمكن أن تشل "مدنية" الدولة. وقد نشأت عن الوهم العميق في الفكر الإسلامي عن أن الدولة هي حامية العقيدة. وهو أمر لا ينفرد به المسلمون، فقد كان الأوروبيون يؤمنون به أيضاً، ونجده في بعض التعبيرات التي تجعل الملك (أو الملكة) حاميا للعقيدة. ولكن الأوروبيين تعلموا درس التطور في حين لا يزال المسلمون في وهمهم القديم.

وقد أوضحنا في كتابنا "الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة" أن من الخير للإسلام أن تكف الدولة يدها عن دعوى حمايته، لأنها لن تحقق من هذا إلا شراً مستطيراً

 

** هذه الفقرة مقتبسة من كتاب جمال البنا:" موقف الإسلام من الأقليات"

 

مواضيع ذات صلة:

 

الإسلام يقبل بالتعددية، وهو اقرب إلى العلمانية 2

حوار عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1

 

للتعليق على هذا الموضوع

  ahmedsaber@hotmail.com
  حوار البنا
 اشكركم على الحوار الذي اجريتموه مع جمال البنا وهو مفكر اسلامي كبير
ولكني استغربت كثيرا من قوله ان الاسلام اقرب الى العلمانية ودفاعه عن جماعة
الاخوان رغم اعتراضه عليهم ولكني ارى انه مهتم بهم جدا كما قال له المحاور..
كما قال جملة لا افهما مطلقا ان الحكمة من اصول الدين فارجو ان توضحوا ذلك للقراء
لاني اول مرة اسمع ان ان الحكمة من مصادر الدين مثل القران والسنة
شكرا لكم انت بحق موقع ليبرالي وهو يعتبر لدي من مواقع المفضلة التي ارتبط بها يوما
عن يوم 
مقالات القمني ايضا رائعة 

احمد صبري