|
Middle East Transparent |
29 نوفمبر 04 |
شفــــاف
الشــــرق
الأوســــط |
|
محكمة
العدل
الدولية الإسلامية جمال البنا يقدم
لنا القرآن
الكريم ـ
بإيجازه المعجز
ـ في آية
واحدة هي
الآية 9 من
سورة الحجرات
الخطوط
العريضة
لإقامة
محكمة عدل إسلامية
تفصل في
الخلاف الذي يشتجر ما
بين
المجموعات الإسلامية
كائنة ما كانت،
ثم لا تكتفي
بذلك، بل
تملك القوة
العسكرية لإجبار
الطرف
الباغي على
الامتثال
لأمر الله.. ونص
الآية هو: "
وإن طائفتان
من المؤمنين
اقتتلوا فأصلحوا
بينهما
فإن بغت أحداهما
على الأخرى
فقاتلوا
التي تبغي حتى
تفئ إلى أمر
الله فإن
فاءت
فأصلحوا بينهما
بالعدل
واقسطوا أن
الله يحب
المقسطين" وإذا
أضفنا إلى
الخطوط
العريضة
التي تقدمها الآية
ما يوجبه الإسلام
من أصول وإجراءات
في التقاضي استكملنا
للمحكمة
التفاصيل
اللازمة،
وبدت أمامنا
الصورة
كاملة
شامخة،
جديرة
باسمها
العظيم "محكمة
العدل الإسلامية
الدولية" أو
"محكمة الآية
9 من سورة
الحجرات" لماذا "محكمة"؟...
وقد يظن
البعض انه لم
تؤسس
المجتمعات الإسلامية
السابقة
محكمة عدل
دولية، فإن
المطالبة
بتكوينها
تعد بدعا
وتثير
التساؤل.
والرد سهل. ففي
العصور
القديمة لم
تكن ما نسميه
الآن "المؤسسات"
أو
"المنظمات"
أو "الهيئات" تأخذ
الشكل
المنهجي
الذي يصطحب
بها الآن. وهو
أمر معروف
ومسلم به لا
في
المجتمعات الإسلامية
القديمة،
ولكن في كل
المجتمعات
القديمة. إن التنهيج
والتنظيم
والاستمرارية
وأن تأخذ
الهيئة شكلها
النظامي
بمهام
وصلاحيات
محدودة
ودستور أو
قانون
مكتوب، وأن
يقوم بها
مسئولون كل
يختص بجانب
محدد، وأن
تحفظ
مستنداتها
وتودع أموالها
الخ، هذه
الصورة لم
تكن معهودة
في الهيئات
القديمة وما
كان يمكن أن
تتوفر لها
لغلبة الأمية
والجهالة
وعدم توفر
وسائل
الكتابة
والتسجيل
والحفظ وصعوبة
الاتصالات
والمواصلات
وبقية الملابسات
التي كانت
تكتنف العالم
القديم.
فمن
الظلم أن
نقيس
التنظيمات
القديمة
بالتنظيمات
الحديثة،
وحسبنا أن
نجد "الفكرة" الأصلية
في صورة
ساذجة دون
تطلب
الشكليات
والاشتراطات
التي نجدها
في
التنظيمات
الحديثة.
وبالنسبة
لما نحن بصدده،
فما أن حدث أول
قتال بين
طائفتين من
المؤمنين حتى
ظهرت المحكمة
في صورة
مبسطة
وساذجة
ولكنها
كافية، هي تحكيم
حكمين هما
أبو موسي الأشعري
ممثلا لفريق
علي بن أبي
طالب.. وعمرو
بن العاص ممثلاً
لفريق
معاوية ابن أبي
سفيان ومنحهما
سلطات عظمى
تصل إلى حد تنحية
رئيسي
الفريقين
المتنازعين. ولكن
خديعة عمرو
بن العاص قضت
على التحكيم
بالفشل. أما
أن
المجتمعات الإسلامية
التالية لم
تأخذ
بالفكرة أو
تلجأ إلى أي
صورة من صور
التوفيق والإصلاح
فيما شجر
بينها من
خلاف وقتال،
فتلك
الحقيقة لا
تؤثر على ما
ذهبنا إليه، أو
توهن من
المطالبة
بتكوين مثل
هذه المحكمة استجابة
وتطبيقاً
لنص قرآني
صريح، لأن الفترة
التي تمثل في
نظرنا الإسلام
ويعتد بما
تفعله أو
تغفله هي
فترة
الخلافة
الراشدة أما ما
بعدها فهو
الملك العضوض.
وقد
يسوغ لنا
بهذه
المناسبة أن
نقول إننا نرى
المجتمعات الإسلامية
المعاصرة
رغم كل ما
يقال عنها أو
يلصق بها
اقدر على
تحقيق
التوجيهات الإسلامية
في مجالات
عديدة من
معظم
المجتمعات الإسلامية
القديمة،
لان المناخ
الذي تطلبه الإسلام
من علم،
وحرية
وعدالة
وبروز شخصية
الفرد.. يتوافر
في العصر
الحديث بأكثر
مما توافر في
العصور
السابقة.
ومع انه سمح
بتجاوزات
عديدة فإنه
في المقابل اقدر
على تحقيق
التوجيهات والأحوال
العامة والاجتماعية
الإسلامية،
ليس فحسب لما
ذهبنا إليه
من توافر
المناخ
المواتي، بل أيضا
لما في يد
العصر
الحديث من
ثقافات
وخبرات وإمكانيات
لإقامة
المؤسسات
والنظم على أسس
منهجية لم
تكن العصور
القديمة
مهيأة لها. وتكوين
محكمة عدل
دولية إسلامية
هو
البلورة المثلى
والتجسيد
الحقيقي
والاستجابة
العملية لمضمون
الآية. ولم
يكن ممكنا
تأسيس هذه
المحكمة بصورة
منشودة في
العهود
السابقة لما
اشرنا إليه
من قصور في التنهيج
وندرة في
الخبرات والإمكانيات، الأمر
الذي توافر
الآن.
وبالتالي ينفسح
المجال أمام
تأسيسها
وتطبيق
توجيه، أو
أمر قرآني
صريح، ولا
يقبل عذرا من
الدول الإسلامية
الإهمال أو
التراخي
والتخلي إلا إذا
كانت هذه
الدولة
مستعدة
للتراخي في
تطبيق توجيهات
ربها والحكم
بما انزله في قرآنه
الكريم. طرفا
النزاع
وطبيعته..
تنص الآية
على أن طرفي
النزاع هما
"طائفتان من
المؤمنين"
وان يأخذ
النزاع صورة
"القتال"
فإذا لم يحدث
قتال، أو إذا
حدث ولكن بين
طائفتين من
غير
المؤمنين، أو
كانت طائفة
من طرفي
النزاع من
غير
المؤمنين فان
الواجب
المستمد من
صيغة الأمر
الذي أخذته
الآية ينتفي.. ولكن
انتفاء
الوجوب لا
ينفي الجواز
طبقا
للقواعد والأصول
الإسلامية
المقررة. فإذا
حدث قتال بين
طائفتين من
غير
المؤمنين، أو
كانت إحدى
الطائفتين
غير مؤمنة، فيمكن
للمحكمة
التدخل
للإصلاح
تأسيساً على
القواعد الإسلامية
التي أرستها
الآيات ".. والصلح
خير"، " فإن
جاءوك فاحكم
بينهم أو
اعرض عنهم
وإن تعرض
عنهم فلن
يضروك شيئاً
وإن حكمت
فاحكم بينهم
بالقسط أن
الله يحب
المقسطين".. " وإن جنحوا
للسلم فاجنح
لها وتوكل على
الله". ونعتقد أن
كلمة "طائفة"
في الآية
تجعل مبرر
التدخل يسري
على القتال
الذي يحدث
داخل كل
دولة، كما
يسري على
القتال ما
بين الدول
بعضها بعضا.
فإذا حدثت منازعة
تصل إلى حدا
لقتال ما بين
فئة مؤمنة
وحكومتها ـ
كما حدث على
سبيل المثال
ما بين الإخوان
المسلمين
وحكومة
سوريا وهيئة
التحرير
الفلسطينية
وحكومة الأردن،
فإن تسوية
هذا النزاع
الدموي تدخل
في صلاحية
المحكمة
ويكون عليها أن
تتدخل طبقا
للوسائل
التي حددتها
الآية، من
صلح فقتال
للباغي ـ لأنه
ليس هناك في
النص أو
الحكمة ما
يمنع ذلك بل أنهما
ـ أي النص
والحكمة ـ
يوجبانه.
ولعل
الشرط
الوحيد الذي
يجب التثبت
منه هو أن يصل
النزاع إلى
حد القتال. أما
ما يثار عن
"التدخل في
الشئون
الداخلية"
للدولة، فهذا
ما لا يعتد به
القرآن. وهو من
باب "إنما
تعبدون من
دون الله أوثانا
وتخلقون
إفكا".
ولو سمح به
لما جاز
للمحكمة أن
تتدخل في
حالة النزاع
ما بين
دولة وأخرى إلا
بعد سماح وأذن
الدولتين، ولفقدت
محكمة العدل الإسلامية
فعاليتها
الخاصة
المميزة لها
والتي
تستمدها
رأسا من
القرآن.. كما
سيلي.. وكذلك إذا
لم يصل موضوع
النزاع إلى
حد القتال،
فيمكن
للمحكمة أن
تتدخل لأنه إذا
وجب الصلح
بين زوج
وزوجته
نتيجة خوف
الزوجة من
نشوز أو
إعراض
زوجها، أو
مجرد خوف من
شقاق بين
الزوجين. ( وإن
خفتم شقاق بينهما
فابعثوا
حكما من أهله
وحكما من أهلها
إن يريدا إصلاحا
يوفق الله بينهما)، فان الأمر
يكون أجدر وأولى
إذا حدث بين
طائفتين بين
المسلمين، أو إذا
انتهك حق من
الحقوق التي
كفلها الإسلام
دون أن يجد
انتصافا
داخل إحدى
الدول لعدم
الحكم
بالقرآن.
إذ
المفروض أن
تتحقق عدالة الإسلام
في كل ناحية
من نواحي دار الإسلام..
وألا يهدر دم
في الإسلام.
وهذا ما يوسع
إلى مدى كبير
من صلاحيات
المحكمة
بحيث تصبح كذلك محكمة
لحقوق الإنسان
المسلم،.على
أن التطبيق الأمين
للآية يجعل
التدخل الوجوبي
والتلقائي
للمحكمة مقصوراً ـ
بنص الآية ـ
على حال
الاقتتال.
أما في
الحالات الأخرى
التي أدخلناها
في صلاحية
المحكمة من
باب القياس أو
الاستدلال، فيكون
تدخل
المحكمة
بناء على طلب
طرفي النزاع أو
احدهما،
كما لا يشترط أن
يصل تدخل
المحكمة في
هذه الحالات إلى
حد قتال
الباغي،
الذي بنته
الآية على أن
الطرف الباغي
بدأ بقتال ثم
رفض الصلح،
فكان لابد من قتاله،
فما دام لم
يبدأ بقتال،
فليس هناك
مبرر لقتاله. الوجوب
التلقائي
للتدخل توجب
الآية
وجوبا،
وبصيغة
الأمر،
التدخل
للإصلاح
تلقائيا
لمجرد حدوث
القتال دون
انتظار لطلب إحدى
الطائفتين
التدخل. ذلك
لان ابرز ما يحول
دون التدخل الوجوبي
التلقائي هو ما
يسمونه
"سيادة
الدولة".
ولا
يتسع المجال لإيضاح
ما هو حق أو
باطل في
النظرية
التي جاءت
بها الحركة
القومية
الحديثةز وحسبنا أن
نقول إن الإسلام
يؤمن بسيادة
العدالة،
وليس الارادات
الذاتية
سواء كان ذلك
على المستوى
القومي أو الدولي.
وسلامة هذه
الفكرة من
الناحية
الموضوعية
ليست محل
خلاف.
لان الارادات
الذاتية ـ
التي هي في
الحقيقة
تعبير عن الأنانيات- هي
جذور الشقاق
والمنازعات
سواء كان على
اقل
المستويات أو
أعظمها.
ولكن الخلاف
هو في
الاهتداء إلى
القانون
الذي يبلور
العدالة
وبالتالي
يفصل بين الارادات
الذاتية بما
فيها إرادة
الدولة
نفسها، وأن
يكون هذا
القانون من
القوة والكمال
بحيث يلزم كل
دولة حدها. وقد
عجزت النظم الأوروبية
عن إيجاد مثل
هذا القانون
وبهذا أصبح
"حكم
القانون" ـ
على المستوي
القومي ومن
باب أولى على
المستوى
الدولي ـ
مجرد مثل أعلى
لا يمكنها
تطبيقه
عمليا. ولكن الإسلام
يقدم القرآن. ويحقق من
ناحية
الكمال والمدى
والنطاق ما
عجزت عنه
القوانين
الوضعية.
ولا
يتصور أن تضع
دولة إسلامية
نفسها فوق
القرآن
وموجباته.
ومن هنا فان
العقبة الكؤود
التي تقف أمام
المنظمات
الدولية،
وتجعلها تحت
رحمة الدولة.. لا تقف أمام
محكمة تحكم
باسم القرآن
وتنفذ أوامر
القرآن
وتستمد
سيادتها من
سيادة
القرآن. ورفض الإسلام
لهيمنة
نظرية سيادة
الدولة لا يعني
أن يجرد
الدولة من
حقوقها
واستقلالها
ولكن أن يلزم
الدولة إطار
هذه الحقوق
دون التدخل. ولذلك
فانه لم يفرض
التدخل إلا عند
حدوث القتال.
على كل حال، فان
الآية بحكم الإيجاز
والسياق لم
تتعرض لما
اشرنا إليه
بصورة
مباشرة
(اللهم إلا عن
ذكر العدل
الذي هو روح
القرآن)، ولكنها أحلت
محل شنشنة
السيادة عاطفةَ الإخوةز
فاعتبرت كل
الدول الإسلامية
أخوة "إنما
المؤمنون
أخوة، فأصلحوا
بين أخويكم". ويمكن
لكل دولة أن
تحتفظ بكيانها
ولكن دون أن
تضع كل واحدة
في مواجهة الأخرى
سد السيادة
العالي، أو
تظن أن هذا
السد يعفيها
من انتهاك أصول
العدالة الإسلامية
دون مساءلة. وأخوة
الدول الإسلامية
ليست عاطفة
جوفاء أو شعاراً
دون مضمون
حقيقي، لأنه إذا
كانت وشيجة
الدم هي التي
تربط الإخوة
وتجعلهم أخوة،
فان وشيجة الإيمان
تجعل
المؤمنين أخوة. ويصدق
هذا على
الفرد كما
يصدق على
الجماعات.
وقد قال
النبي
"الولاء لحمة
كالنسب" والإيمان
أعلى من
الولاء.. وبصرف
النظر عن
وجاهة هذا
المنطق الإسلامي
في اعتبار
الدول الإسلامية
أخوة، فان
منطق الإسلام
في ضرورة
ووجوب تسوية
المنازعات
العسكرية، حتى
عند رفض أطراف
النزاع
التدخل، هو مبدأ
دولي على أعظم
جانب من
السلامة
المنطقية. ذلك
لان انتظار
طلب إحدى
الدولتين
التدخل مع
رفض الدولة الأخرى
سيحول دون
التدخل، ولو
كانت
الدولتان
المتقاتلتان
على استعداد
للتسوية
السلمية لما
كان هناك
مبرر أصلا
للقتال، فلو تركا
لنفسيهما
لرفضتا
التدخل. ومعنى
هذا أن تقف
المحكمة
عاجزة بينما
يستعر
القتال. وهو موقف
يرفضه الإسلام.
وهو أشبه
بترك حريق في
الاشتعال
لعدم الحصول
على إذن بالإطفاء!.
إن
وقوع القتال
يوجب التدخل
تلقائيا. ويجب
أن ينص في
صلاحيات
المحكمة على
ذلك، ودون
انتظار لطلب أو
حتى قبول،
احد الطرفين
ـ أو هما معا؛
لان تدخلها
واجب أوجبه
عليها
القرآن عند
نشوب القتال. وهذه
الحقيقة هي ما
تميز محكمة
العدل الإسلامية
الدولية عن
بقية
المحاكم
والمنظمات الأخرى
التي لا
تستطيع
التدخل إلا
بناء على طلب
احد فريقي
النزاع. ولا
تملك إلا
"المساعي
الحميدة"
التي عندما
يضرب بها احد الطرفين
عرض الحائط، أو
يعطيها
آذانا صماء،
فلا تملك
الهيئة أو
المنظمات
شيئاً... |
||