06 ديسمبر 2004

 

محكمة العدل الدولية الإسلامية 2

جمال البنا

 

التسوية السلمية "الإصلاح":

  الهدف الأول من التدخل هو الإصلاح وتسوية النزاع بالطرق السلمية والودية والدبلوماسية، كما يقولون، بدلا من الاستمرار في استخدام السلاح وسفك الدماء.

واستعراض جهود المحاكم والمنظمات الدولية في هذا المجال يوضح أنها توصلت إلى إنجازات عديدة، وأنها حالت دون المزيد من سفك الدماء. ولكن لعل فشلها كان في النهاية أعظم من نجاحها. ولعل الحالات التي رفض فيها الانصياع أكثر من الحالات التي قبل فيها الامتثال. ومحكمة العدل الإسلامية في وضع اقوي بحيث تزيد فرص واحتمالات نجاحها عن المحاكم والمنظمات الدولية الأخرى. وهذا يعود لأمرين: الأول انه إذا فشلت المساعي الودية، فلن يقف الأمر عند هذا، ولكنه سيتطور إلى قتال لإلزام الباغي الامتثال. وذلك ما يحمل الفريقين - وبوجه خاص الباغي - على أن يفكرا طويلا قبل أن يرفضا مساعي المحكمة.

والثاني أن المحكمة في تسويتها للنزاع تعتمد على معيار موضوعي هو العدل الإسلامي، وهو معيار يجعل كل طرف من طرفي النزاع اقرب إلى التنازل عما لا حق له فيه وبهذا تضيق شقة الخلاف.. أو تنتفي.. لأن الرافض في هذه الحالة سيكون في وضع "الباغي" الذي يرفض العدل الإسلامي ويستحق القتال.

  ومصادر العدل الإسلامي المعتمدة ثلاثة هي القرآن، والصحيح الثابت من السُنة، وسياسات الخلفاء الراشدين ، فضلا عن أن الإسلام يؤمن بملكه للعدل في الفطرة السليمة لأن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، كما يصور ذلك حديث نبوي ولأن الحق أبلج ، كما يقول المثل.

 

 ولا يجوز أن يفتئت على هذه الأصول المعتمدة للعدل الإسلامي مذاهب. أو آراء لفقهاء وأئمة مهما كانت منازلهم. ولا يعد أي مذهب بعينه من المذاهب مصدرا ملزما للمحكمة، وان جاز لها أن تستعين بما تراه من أقوال من باب الاستئناس، وليس من باب التأسيس، لأن تأسيس وجهة نظرها يجب أن يقوم على المصادر الأصلية وليس المصادر التبعية.

  فإذا تجاوب الطرفان مع مساعي المحكمة للصلح، سوي الأمر بهذه الطريقة، ولكن إذا قبل أحد الطرفين ورفض الطرف الثاني - فإن هذا الطرف الثاني يعد "باغيا" ويتعين الأخذ بما نصت عليه الفقرة التالية من الآية..

 

قتال الباغي:

  "فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله".

  هذه الفقرة تتناول نقطتين الأولى إيجاب القتال والثانية أن يكون الدافع له، والهدف من ورائه هو "أن تفيء إلى أمر الله".

  وهاتان النقطتان متكاملتان - فلما كان الدافع على القتال والسبب فيه هو أن تفيء إلى أمر الله - أي أن تحق الحق ـ فإن هذا يعطي القتال ضرورة العملية المبدئية، خاصة وأنه جاء بعد استنفاد وسائل الصلح ورفضها. ويتعين القيام به لإحقاق الحق، وعدم الاستخذاء أمام الباطل أو السماح للقوة بأن تعلى يدها على الحق.. وترك الضعيف فريسة للقوي وهي كلها أوضاع يرفضها الإسلام الذي يقوم على العدالة، ويرى فيها تحديا له وانتهاكا لرسالته.

 وفي الوقت نفسه فلما كان القتال هو لإرغام الباغي علي أن يفيء إلى أمر الله لإحقاق الحق، فيجب أن لا يجاوز القتال هذه الغاية فإذا حدثت الفيئة بعد حرب يوم، فلا يجوز الحرب ليوم ثان، وإذا حدثت باحتلال منطقة فلا داعي لاحتلال مناطق أخرى لأن هذه الحرب أعلنت لغاية معينة ويجب أن تقدر بقدرها ولا تجاوزها.

  ومن ناحية ثالثة - فلما كانت الغاية من الحرب نبيلة، فإن مما يتعارض مع هذه الغاية النبيلة أن تصطحب الوسيلة إليها بممارسات دنيئة أو سيئة.

  ومن أجل هذا فيفترض أن تبرأ هذه الحرب من كل اللوثات التي تصطحب بالحرب في المفهوم والدأب الأوروبي. فالقتال الإسلامي لا يستهدف الاحتلال أو الإذلال أو الاستغلال.. وهو لا يقترن بصور من الوحشية والدناءة وهو يبرأ من المساس بالشيوخ والأطفال والنساء وأماكن العبادة والمدارس والمستشفيات.

 وهو لا يجيز للجيش الاستحواذ على أرض أو بيوت أو ممتلكات أو سلع إلا بعد دفع ثمنها.

  إن دستور القتال الإسلامي الذي وضع خطوطه العامة القرآن ووضع تفاصيله الرسول والخلفاء الراشدون يختلف تمام الاختلاف عن دستور الحرب الأوروبية الذي يقر صورا عديدة من الوحشية والاستغلال. ويجب أن ينبع هذا الدستور الإسلامي في كل قتال يتم تحت راية محكمة العدل الإسلامية..

 

التسوية على أساس العدل:

  مرة أخرى تعيد الآية الكرة "... فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا أن الله يحب المقسطين". وكأن الآية تعيد - حتى بعد الانتصار - معنى الإصلاح وليس معنى الاكتساح أو الإعلاء.. لأنه حتى وان كان من المفهوم أن الفيئة إلى أمر الله تستتبع التسليم بالتسوية إلا انه قد تكون هناك تفاصيل عديدة يجب أن تسوي بالتفاوض لا بالإملاء لأن الغرض من القتال لم يكن - ولا يجوز أن يكون - الإذلال أو فرض إرادة طرف على آخر. ولكن التوصل إلى إحقاق الحق. ومن هنا فإن الآية تعيد مرة أخرى فكرة الإصلاح بمجرد أن يفيء الطرف الباغي، حتى وان لم يحدث هذا إلا بعد قتاله وتسليمه.

  ونرى أن النص على الإصلاح، وأن يكون بالعدل، ثم تأكيد هذا المعنى بجملة "وأقسطوا أن الله يحب المقسطين" إنما يعود إلى الانتصار - كالخمر - تذهب بالألباب وتغري على التجاوز وتدفع المنتصر لإملاء شروطه وتصبغ قضية التسوية بالطباع الذاتي، وهي عناصر يجب أن تكون بعيدة عن أي تسوية تمارسها المحكمة وتقوم على العدل، وتستهدف الحق وتبرأ من الإغراض والمآرب الذاتية.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع