6 أغسطس 2005

بين "الأشقاء" عشرون فيزا

والسفر لماليزيا بدون فيزا

جمال البنا

 

 

  دعيت لحضور المؤتمر الثالث للاتحاد الإسلامي الدولي للعمل الذي عقد بمدينة كوالالمبور عاصمة ماليزيا.

  دهشت عندما قيل لي أنه ليس بيننا وبين ماليزيا فيزا.  مدة السفر إلى ماليزيا بالطائرة مباشرة من القاهرة إلى كوالامبور عشر ساعات كاملة تسير فيها الطائرة بسرعة 900 كيلو في الساعة.

  تذكرت الدول العربية الشقيقة التي لا تأخذ الطائرة سوى ساعة للوصول إليها وتشترك معنا في التاريخ والدين واللغة والحدود إلخ. ومع هذا فلكي تدخل واحدة منها عليك أن تحصل على فيزا دون أخذها خرط القتاد وتشترط فيها شروطا تعجيزية وعسيرة كأنك ستدخل الجنة. واذا دخلت راقبوك وتابعوك حتى تنتهي أيام الفيزا لكي يخصلوا منك!.

  في ماليزيا - وهي جنة الله على أرضه - لا تشترط فيزا، ولا يتابعك احد أو يراقبك أو يطالبك بالخروج.

 

***

 

  الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل هيئة تجمع الاهتماميين العظميين اللذين آمنت بهما وهما التجديد الإسلامي والتنظيم النقابي، والفكرة فيه تطعيم الحركة النقابية بالقيم الإسلامية والتوصل إلى علاقات عمل تبرأ مما شابها في النظام الرأسمالي الذي يقيمها على أساس الصراع الطبقي وتناقض المصالح أو النظام الاشتراكي الذي يلحق النقابات ويربطها بالحزب الحاكم، وقد تأسس في جنيف سنة 1981 بعد جهود متصلة لثلاث أعوام سابقة وتم عقد مؤتمره التأسيسي في أبهاء وقاعات منظمة العمل الدولية وخلال عقد مؤتمرها السنوي في يونيو من كل عام..

  ولكن الاتحاد الوليد قوبل بمعارضة من الجميع، لأن النقابات في معظم الدول العربية والإسلامية مرتبطة بحكوماتها أو تخضع لقيادات يسارية، ولهذا عجز عن التقدم أو أن يجد دولة يتقبلها وتتقبله.

  وفي سنة 1999 عقد الاتحاد مؤتمره الثاني، وكان في جنيف أيضا، ولكنه لم يتم في أبهاء وقاعات منظمة العمل الدولية وإنما اختار قاعة واسعة في احد الفنادق، وتم هذا بجهود فائقة من أمينه العام الدكتور سعيد خالد الحسن.

  ومرة أخرى لم يستطع الاتحاد أن يعقد مؤتمره الثالث حتى لاحت فكرة ماليزيا التي رحبت "مؤسسة الدعوة الإسلامية" هناك باستضافة المؤتمر، كما باركته السلطات المسئولة.

  وعقد المؤتمر خلال الأيام من 25 إلى 27 يوليو، بفندق "بان سافيك" وهو أحد الفنادق الكبرى هناك وحضر الجلسة مدير مؤسسة الدعوة الإسلامية داتو محمد النخعي كما حضرها مستشار رئيس الوزراء للشئون الدينية داتو عبد الحميد عثمان. وكان مقررا أن يحضرها وزير العمل في لبنان الدكتور طراد حمادة ولكن طائرته تأخرت والقي كلمته احد مندوبي لبنان.

  وافتتح المؤتمر بدعاء، أعقبته كلمة داتو محمد النخعي رئيس المؤسسة الإسلامية المضيفة رحب فيها بالاتحاد وتمنى له التوفيق والازدهار تلت ذلك كلمة من كاتب هذه السطور باعتباره رئيس الاتحاد ثم كلمة داتو عبد الحميد عثمان مستشار رئيس الوزراء للشئون الدينية.

  وفي الجلسة المسائية تمت مناقشة أوضاع الاتحاد واجرى تشكيل لجان المؤتمر وهي ست لجان "1" لجنة نصرة القدس "2" لجنة العضوية والتنظيم "3" لجنة الإعلام "4" لجنة الفئات "المرأة والشباب" "5" لجنة جامعة العمل "6" لجنة الأمن المجتمعي.

  وبدأ اليوم التالي بكلمة أرسلها فضيلة الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية تحت عنوان العمل النقابي الإسلامي وسعي محمود. "مداخل التراجم والتلاحم في امة الإسلام" في ثلاث صفحات وهي كلمة هامة لأنها - فيما اعلم - المرة الأولى التي يزكي فيه شخص في منزلة مفتي مصر العمل النقابي، وتلاه كاتب هذه السطور بكلمة بعنوان "التنمية جهاد" أوضحت فيها أن التنمية في حقيقتها هي الجهاد حتى في أضيق صورة - القتال - فالحرب أصبحت صناعة وليست شجاعة كما كان الحال عندما كان المسلمون يحاربون أعداءهم سيفا بسيف ورمحا برمح.. وان هذا الجهاد يجب أن يكون شعبيا، تسهم الجماهير في وضع خطته ومتابعتها الخ.

  وفي اليوم الثالث نوقشت تقارير اللجان وتوصياتها كما أعيد انتخاب الرئيس والأمين العام واختير مندوبو الرئيس ثم تُلي البيان الختامي بحضور ستين مندوبا من تسع عشرة دولة وبعد الإشارة إلى هموم العالم الإسلامي وقضاياه بدءا من فلسطين حتى كشمير وما يجري في العراق جاء وإذ يختتم المؤتمر أعماله فإنه يؤكد قيامه على التعددية وديمقراطية وشورية الحوار واتخاذ القرار واحترام الرأي الآخر، وانه ليس في مواجهة أو خصومة مع أصحاب العمل ولا مع الحكومات ولا الاتحادات النقابية الأخرى، والتي يؤكد انه يكن لها ولدورها كل التقدير ويتطلع إلى الحوار البناء معها والتعاون المتواصل من اجل المصلحة المشتركة، ويأمل في مشاركتها ودعمها خاصة أن الإسلام لا يعني الاقتصار على المسلمين، وإنما العدل والانفتاح على الآخرين تحقيقا لنداء القرآن الكريم: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".

  لا أريد ان أطيل في ذكر بقية مداولات المؤتمر، لأن لماليزيا حقا علينا، وواجب ان نعطي القارئ فكرة عن هذه الدولة الإسلامية الناهضة، والتي أضفت عليها الطبيعة من جمالها الخلاب فهي كلها خضراء وشجر النخيل الذي يعصر منه زيت النخيل منتشر في كل ناحية، والبلد صغير نسبيا فمساحته 329758 كيلومترا، ولكن كلها خضراء، وكلها تغطيها الأبنية من قصور أو مصانع كما ينتصب في كوالالمبور برجا "بتروناس" الأعلى في العالم بارتفاع 452 مترا، وهما يبدوان كما لو انهما بنيا من معادن تلمع وتعكس الضوء كما تعكس هندستهما الدقة والفن الماليزي، وكذلك برج كوالالمبور رابع أعلى أبراج العالم، وكذلك العديد من الحدائق التي تجري فيها الغزلان وتطير الفراشات، كما ان بها أسواقا تجارية عصرية تماثل اكبر الأسواق في العواصم الأوروبية.

  هي بلد فريد، فيما جو الجزر، وفيها أرض الغابات، وفيها الصناعات الدقيقة والالكترونيات وفيها وداعة الشعب التي تعود إلى الإسلام، وفيها تعدد الأعراق إذ توجد أقلية صينية قوية وفئات عديدة هندية وهي تستقبل روادها بكلمتي "سلامات دانتج" التي تعني "مرحبا".

  ويمثل المسلمون 57% وإسلام ماليزيا - كما يقولون - إسلام حضاري يعني بالعمل والإخلاص والصدق في القول والتفاني في العمل وحب الخير ولهذا تقبل الصينيون والهنود الإسلام بالرضا، ولم تثر بينهم أي فتن أو حساسيات دينية.

  ولا يعني هذا إهمالا للشعائر أو المقدسات، فإنهم من احرص الناس عليها، ولكن لم تزحف عليهم - والحمد لله - موجة التعصب والكراهية وبغض الآخر.

  هذه هي ماليزيا التي لا يعرفها معظم المصريين مع أنها توفد خبراءها ورجال أعمالها إلى معظم دول العالم الإسلامي الفقير ليزودوها بالخبرة والمهارات وليقدموا إليها رؤوس الأموال اللازمة.

 

للتعليق على هذا الموضوع