![]()
29 ديسمبر
2004
الإمام
موسى الصدر والمأثور
الشيعي
(1)
يعود
المأثور
الشيعي إلى ما
قبل الإسلام على
ما سنوضحه،
ولكنه تعرض
للتطورات
العديدة التي
انتابت
المجتمع
الإسلامي،
وبوجه خاص نظام
الحكم. بحيث
أنه وإن احتفظ
ببعض القسمات
القديمة، فإن
هذه التطورات
كادت أن تغيّره،
وبوجه خاص
بتأثير الحكم الصفوي،
عندما اندمجت
الأساطير
التي أوجدها
الغلو بحيث
جعله "فولكوريا"
وشعبيا
بعيداً عن
القيم التي
كانت تميزه، وهو
ما حاول
المأثور
الشيعي
الحديث
التخلص منه،
والعودة إلى
المأثور
الشيعي
الأصيل – الذي
أطلق عليه
المفكر
الشيعي
الدكتور علي شريعتي
"التشيع
العلوي" في
مواجهة
التشيع الصفوي.
وتَقَصّي
مواقف الإمام موسى
الصدر يثبت
أنه حاول – قدر
الطاقة –
الأخذ
بالمأثور
الشيعي
الأصيل،
واستبعاد ما
استجد عليه أو
ادمج فيه من
اتجاهات
مخالفة. وسنرى
تفصيل
ذلك في العرض
التالي:
نشأة
المأثور
الشيعي:
كما ذكرنا
– يعود
المأثور
الشيعي إلى ما
قبل الإسلام
وقد شرحنا هذه
القضية بنوع
من التفصيل في
كتابنا
"الإسلام دين
وأمة وليس ديناً
ودولة".
"كان أمر
قريش قبل بعثة
الرسول ردحاً
من الدهر يعود
إلى قصي بن
كلاب الذي
هيمن على مكة
والبيت وكانت
إليه الحجابة
"أن تكون
مفاتيح البيت
عنده"،
والسقاية
"يعني سقاية
زمزم" وكانوا
يصنعون منها
شرابا في موسم
الحج بعسل أو
لبن،
والرفادة
"الطعام الذي
يصنع لأهل
الموسم"،
والندوة "دار الشورى"
واللواء "أي
القيادة في
الحرب".
وعندما مات
قصي برز من
أبنائه عبد
مناف. وَوُلِدَ
لعبد مناف عبد
شمس
وهاشم
والمطلب
ونوفل. فولّى
السقاية
والرفادة
هاشم دون أخويه
عبد شمس
والمطلب. وَرُوِيَ
أن عبد شمس
وهاشم كانا توأمين
ملتصقين فُصِلَ
بينهما
بسلاح، فقال العرافون
إنه سيكون بينهما
دم إلى الأبد!. وقامت
منافسة ما بين
هاشم وعبد شمس
رَجَحَت فيها
كفة هاشم من
كافة الوجوه
بحيث خصوا
هاشم
بالسقاية
والرفادة دون
عبد شمس.
ويموت
هاشم فيرث
ابنه عبد
المطلب
مناصبة دون عبد
شمس. ويموت عبد
شمس ليخلفه
ابنه أمية..
وقامت
منافسة حادة
ما بين عبد
المطلب وأمية
لأن الخلاف في
الطبائع جعل
عبد المطلب
يمثل "الموضوعية"
وأمية يمثل
"الذاتية"..
ومع أن
الصورة المثلى
للموضوعية هي
ما تأتي به
الأديان عن
الله تعالى
فإن طبيعة عبد
المطلب كان
فيها كل خلائق
وصفات
"الموضوعية"
الدينية، ألا
وهي قيم الخير
والحب
والسلام
والإيثار والانطلاق
من هذه القيم
والعمل بها. وكأنما
أراد الله
تعالى لنبيه
أن يرث هذه الطبيعة
حتى يكللها
الوحي عند
محمد – حفيد
عبد المطلب
بحيث يصادف
هذا الوحي
الطبيعة المهيّأة
له.
وعلى
نقيض هذه
الطبيعة كانت
طبيعة أمية –
الذاتية تمثل
الأثرة وحب
النفس والكسب
والحرص على
الدنيا
والحكم على
الأمور من هذه
المنطلقات.
ولهذا فلم يكن
غريبا أن يشتغل
معظمهم
بالتجارة وأن
يحصلوا على
ثروات طائلة..
وحاول
أمية أن يفعل
مثلما كان
يفعل هاشم من إطعامٍ
بكرم وسخاء،
وطيبة نفس،
وكان هاشم
يقدم الخبز
واللحم
والسمن والسويق
والتمر.. وعجز
أمية عن أن
يماثل هاشم في
ضيافته لأنه
كان يتكلَفها
وقامت "منافرة"
بينهما أيهما
أفضل، يكون على
الخاسر فيها
أن يدفع خمسين
ناقة سود الحدق
لِتثنحَر،
وأن يجلو عن
مكة عشر سنين,
وكان الحكم بينهما في
هذه المُنافرة
هو الكاهن الخزاعي
بعسفان
فحكم لهاشم على
أمية. فأخذ
هاشم الإبل
فنحرها وأطعم
لحمها وخرج
أمية إلى
الشام.
هل كان
خروج أمية إلى
الشام حدثا
عارضاً. أو
كان إيماء لما
سيحدث لحفيده
"معاوية"
فيما بعد؟.
أقام أمية
بالشام عشر
سنوات يغلب
أنها دعمت
طبيعته
الذاتية
وخلائقه
المادية،
والتجارية.
وكانت الشام
وقتئذ تحت حكم
البيزنطيين.
وتكررت
القصة مرة أخرى.
فقد نافر حرب
بين أمية عبد
المطلب بن
هاشم من أجل
يهودي كان في
جوار عبد
المطلب فما
زال أمية
يغري به حتى
قتل وأخذ ماله
..
وظهر
جليا أن هذين
الفرعين من
عبد مناف
يختلفان اختلافا
جذريا فأمية
يمثل الاتجاه
الذاتي وهاشم
يمثل الاتجاه
الموضوعي.
فلما أعلن
الرسول بعثته
اشتدت عداوة
أمية لبني
هاشم لأنهم
جاءوا بما لا
يمكن أن يأتوا
به وأغلقوا
الطريق أمام
أي احتمال لكي
يلحق بنو
أمية ببني
هاشم فأجّجوا
هذا العداوة
القديمة، وقد
كان من أبرز
الأمويين
المعادين
للرسول أبو أحيحة
سعيد بن العاص
الذي هلك على شِركِهِ
في السنة
الأولى
للهجرة،
وعقبة بن أبي معيط الذي
قتل في بدر،
ومنهم الحكم
بن أبي العاص
بن أمية الذي
أسلم تقية –
وسيكون له دور
مشؤوم في
أزمة عثمان
وما تلاها –
وطرده الرسول
من المدينة
فأطلق عليه
"طريد رسول
الله"، ومنهم
عتبة بن ربيعه
بن عبد شمس
الذي قتل ببدر
وعتبة هذا هو
أبو هند التي
تزوجت أبا
سفيان بن حرب،والتي
مثلت بجسد
حمزة في أحد. إذ كان هو
الذي قتل
أباها في بدر،
وقد أمر
الرسول
بقتلها ولكنها
أسلمت وبايعت
الرسول
متنكرة. ومنهم
الوليد بن
عتبة بن ربيعه
الذي قتل في
بدر، قتله علي
بن أبي طالب
وهو خال
معاوية،
ومنهم شيبة
بن ربيعة بن
عبد شمس عم
هند وقتل
ببدر، ومنهم أم
جميل بنت حرب
بن أمية التي
أطلق عليها القرآن
الكريم "حمالة
الحطب" التي
كانت تنشد
الشعر في ذم
الرسول ومنهم
معاوية بن
المغيرة بن
أبي العاص بن
أمية وهو الذي
جدع أنف حمزة
ثم لاذ بعثمان
ليحميه من
رسول الله
فوهبه لعثمان
على أن يغادر
المدينة بعد
ثلاث. ولكنه
لم يخرج منها
إلا رابع يوم
فأدركه أسامة
بن حارثه
وعمار بن ياسر
فقتلاه. ومنهم
أبو سفيان صخر
بن حرب بن
أمية قائد الأحزاب
بأحد. ولم يزل
يجادل الرسول
ويحاربه حتى
أخذ الرسول
يستعد لفتح
مكة فجاء أبو
سفيان ليتعرف
الأخبار.
وكاد
المسلمون أن
يوقعوا به
لولا أن حماه
العباس لأنه
كان صديقه
وزميله في
الجاهلية.
وعندما شاهد
أبو سفيان
الجيش
الإسلامي وهو
يسير إلى مكة
قال للعباس
لقد أصبح مُلك
ابن أخيك
عظيماً فقال
له العباس.
إنها النبوة…
ولكن أبا سفيان
كان يعود
فيتحدث عن
مُلك ابن
أخيه". وعرض
عليه أن يسلم
فشهد أن لا
إله إلا الله.. ولما طلب
منه أن يتم
"محمداً رسول
الله" قال أما
هذه ففي النفس
منها شيء فقيل
له آمن ويلك
قبل أن تقتل.. فآمن..
من هنا يتضح
أن عداوة بني
أمية لبني
هاشم عريقة
وأنها امتدت
إلى عداوة
الإسلام بحيث
أصبح بنو
هاشم يمثلون
الإسلام وما
فيه من
موضوعية وبنو
أمية يمثلون
الدنيا وما
فيها من ذاتية
وأن هذا كان
في أصل
العداوة التي
عبر عنها
الشاعر:
عبد شمس
قـد أضرمت
لبنـي
هاشم ناراً
يشيب منها
الوليد
فابن حرب للمصطفى،
وابن هند( )
لعلي، وللحسين
يزيـــد
كان علي
بن أبي طالب
هو – بعد
الرسول – الذي
انتهت إليه
الشمائل
الهاشمية
وأصبح ممثلها،
في مواجهة
الشمائل
الأموية التي
كان يمثلها
معاوية بن أبي
سفيان..
كان
الرسول يؤثر
عليا، ويحبه
محبة خاصة عبّر
عنها عندما
زوجه – دون
الآخرين إبنته
الحبيبة
فاطمة – وكان
يعلم، وهو
زهرة بني هاشم
أن عليّاً هو
خليفته في هذا.
هو الذي يحمل
الشمائل والخلائق
الهاشمية
النبوية في
مواجهة
تيارات
الأثرة والأنانية
وشهوات
الدنيا الخ...
وعبر
الرسول عن
إعزازه لعلي
وعن خصوصيته
له في
مناسبتين:
الأولى عندما
استخلفه على
المدينة لما
خرج لغزوة
تبوك، وأراد
علي أن يصحب
الرسول، ولكن
الرسول قال له
"أما ترضى بأن
تكون مني
كهارون من
موسي..غير أن
لا نبي بعدي".
وجاءت
المناسبة
الأخرى في
حادثة غدير خم – في
السنة
الحادية عشر
للهجرة "من
كنت مولاه – فعلي
مولاه. اللهم
وأول من والاه
وعادي من عاداه.."
ونحن نأخذ
بهذا الحديث،
ولا نرى
داعياً
للتشكيك فيه
لأنه روي عن
كثير من
الصحابة لأن
معظم ما
أوردوه بسند
حسن، ولأنه
ليس فيه من
المعاني ما
يثير اعتراضا..
ووَلاية
علي (بفتح
الواو) هي الإرث
الأول
والإضافة
التي يفترض أن
تقدمها الشيعة..
الوَلاية
(بفتح الواو)
هي الإرشاد
الروحي، هي إشاعة
الإيمان الذي
تطمئن إليه
النفوس وتقر
به القلوب
ويشيع السلام
بين الناس.
والولي يقوم
بهذه المهمة
التي يقوم بها
الأنبياء
عادة. وما
يميز
الأنبياء هو
أنهم يقومون
بها بوحي من
الله تعالى،
أما الأولياء
فيقومون بها
بأسوة من
الأنبياء.
أراد
الرسول أن
يكون عليا
خليفته في
الوَلاية
بالفتح. وليس
في الوِلاية
(بالكسر).
يضاف إلى
الخصوصية
التي منحها
الرسول
للإمام علي
وتمثلت في
الولاية،
طريقة حكم علي
عندما آلت إليه
الخلافة،
وكيف حاول أن
يعيدها خلافة
راشدة، وكيف
قاوم كل دعاة
السلطة، وكيف
تعذب وعانى
طيلة خلافته
ثم استشهد في
النهاية.
وتأتي
الإضافة
الثانية التي
قدمها الإمام
الحسين، وهي
الشهادة التي
تمثل التضحية
بالنفس في
سبيل
الكرامة،
وهذه قيمة عظمى
لو استظهرها
المسلمون
واستوعبوها
لاختلف التاريخ
الإسلامي
لأنها حدثت
بطريقة
"مأساوية
دراماتيكية"
عميقة
التأثير.
وتختلف
شهادة الحسين
عن شهادة
الذين يُقتَلون
في حرب مشروعة
وفي سبيل الله
في أنها شهادة
مقصودة، فلم
يكن هناك أي
احتمال لنجاة
72 رجلاً أمام
بضعة آلاف وكان
هناك منأى
عنها في
الاستجابة
لمطلب زياد.
ولكن الحسين رفض
بإباء وأصر على
أن يُقتَل
أمام عينيه كل
أفراد أسرته
ثم يُقتَل هو
نفسه في
النهاية في
مشهد يثير
الحزن والأسى حتى
بالنسبة لأقسى
الناس.
وتمثل
ولاية علي ابن
أبي طالب
وشهادة
الحسين أبرز
مكونات
المأثور
الشيعي
الأصيل الأولى
تمثل الهداية
والثانية
تمثل التضحية.
يضاف إلى
هذين رافدان
لم يكونا
بعيدين عنهما.
ففي أيام
الرسول كان
أعظم أنصاره
إيمانا
واحتسابا هم
المستضعفون
الذين تبينوا
ما في الإسلام
من حرية من رق،
وسعة من ضيق
مثل عمّار بن
ياسر الذي
شاهد مقتل أمه
وأبيه لإسلامهما.
ومثل
اللاجئين
الذين لا عصبة
قبلية لهم مثل
سلمان
الفارسي الذي
طوحت به في
الآفاق رغبته في
الاهتداء إلى
الإسلام حتى
قدم المدينة
وأسلم على يدي
الرسول وأصبح
من ألصق
أصحابه به حتى
روي أن الرسول
قال "سلمان
منا أهل
البيت".
ومن هذه
الواقعة أخذ
المأثور
الشيعي قسمة
جديدة هي
الالتحام
بالجماهير
وعامة الشعب
الكادحين
المجردين من
السلطة ومن
الثروة الذين يتحملون
الأعباء،
بينما يستمتع
الآخرون بثمار
عملهم.
ولم تكن
تلك القسمة
بعيدة عن
طبيعة
المأثور
الشيعي، فقد
كانوا هم أول
من آمن
بالأديان
التي تمثل لهم
التغيير
والعدالة
والمساواة،
ومن الطبيعي
أن يكون
المطلب الأول
لهذه
الجماهير هو
العدل الذي
اقترح بالمأثور
الشيعي.
(يتبع)