24 ديسمبر 2005

 

 

نصحت الإخوان بعدم الاهتمام بالانتخابات النيابية والتركيز علي النقابات

كلمتي للإخوان المسلمين 1/6

جمال البنا

  

 

  إني وإن لم أكن عضوا ملتزما من الإخوان المسلمين، فقد ربطتني بهم وشيجة لا يمكن ان تمحي او تجحد؛ لانها علاقة النسب التي جعلت الامام الشهيد الشقيق الاكبر، وجعلتني الشقيق الاصغر وربطت ما بين بكر الاسرة وعميدها.. وما بيان "اخر العنقود" الذي كان يشق طريقه الخاص وسط النكر وصعوبات البداية.

  بالاضافة فان الايام الاولي للاخوان، عندما انتقل الامام البنا من الاسماعيلية الي القاهرة عام 1933 كان مقر الاخوان هو منزل الاسرة رقم 30 حارة نافع، المتفرعة من حارة عبدالله بك بالسروجية، فقد كانت الاسرة تستأجر بيتا "من بابه" وخصصت الغرف الثلاث والحوش للاخوان المسلمين، اما الدور الاول فهو سكن الامام الشهيد واما الدور الثاني ففيه الاسرة ومكنني هذا من التعرف علي الرعيل الاول للاخوان المسلمين في الثلاثينيات. وعندما استقلت الاخوان بمقر خاص في الحلمية كانت الاسرة قد انتقلت الي الحلمية ايضا، وكانت شقة الاسرة علي ناصية شارع إلهامي وشارع تيمور وكانت شقة واسعة من ست حجرات لها بابان خصصت حجرتان مستقلتان لهما الباب الذي يفتح علي شارع تيمور لمجلة الشهاب التي اختارني الاستاذ البنا لأكون مدير ادارتها وكان رئيس تحريرها هو الامام الشهيد وسكرتير تحريرها هو الاستاذ سعيد رمضان وكان معنا موظف للاعمال الكتابية هو الاخ وهبي الفيشاوي وكان الامام البنا رحمه الله يأتي في موهن من الليل، الساعة الثانية عشرة او الواحدة، بعد اتمام عمله في دار الاخوان وهي علي بعد خطوات ليكتب مقالاته التي كانت ثلث او نصف المادة التحريرية فيها.

  وكان من عادتي في بعض ساعات الفراغ ان اذهب الي المركز العام وآخذ لي مكانا في قسم الاتصال بالعالم الاسلامي الذي كان يتخذ مكاتبه في "سلاملك" منعزل عن المبني الرئيسي. وكان لي مع رئيسه الاستاذ عبدالحفيظ الصيفي صداقة خاصة.

  واخيرا جدا فقد اراد الله لي ثوابا لم اقصده او اعمل له عندما زج بي في المعتقل مع اعضاء مكتب الارشاد يوم حل الاخوان الحل الاول 8 ديسمبر سنة 1948 - رغم اني لم أكن من الاخوان- ولكنهم انتهزوا الفرصة لايقاف نشاط كنت قد بدأت به عندما كونت حزبا ناشئا محدودا باسم "حزب العمل الوطني الاجتماعي" ويسر لي هذا الظرف التعرف علي الشخصيات القيادية التي لم تكن قد ظهرت في الاربعينيات، وطال الاعتقال ونقلونا من هايكستب عندما كان الامر مقصورا علي اعضاء مكتب الارشاد، الي الطور عندما احتدمت الازمة ووصل عدد المعتقلين الي الاف، وهنا ايضا اتيحت لي الفرصة للتعرف علي الكثيرين واذكر اننا انتخبنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله رئيسا للمعتقل.

  وكانت لي مع الشيخ سيد قطب سابق سهرات.

  اريد ان اقول بهذه المقدمة ان هذا الوضع الخاص مكنني من ان اتعرف علي الاخوان دون ان اندمج فيهم، وان اتعاطف معهم دون التزم بمبادئهم، وان تكون لي هذه العلاقة الحميمة بالمرشد المؤسس.. اقول ان هذه حققت لي صلة وثيقة بالاخوان، وجعلتني ألم بنقط القوة والضعف فيهم اكثر مما يلمون بها انفسهم، بحيث رأيت ان علي حقا نحوهم هو ان اعلمهم بما رأيت، وما عجزوا هم عن رؤيته؛ لان العين لا تري نفسها.. وانما يراها الاخرون.

  واعتقد انني قمت بأداءهذا الحق بشتي الوسائل فكنت ادلي للامام الشهيد بخلجات النفس، ولم يكن هو جاهلا باتجاهاتي او بتحفظاتي علي بعض المبادئ التي يتمسك بها الاخوان، وكان يستمع ويبتسم دون ان يوافق او يخالف، واتصور الان انه - وهو التربوي المطبوع- كان يفهم ان لي ان ادلي بهذه الاراء.. فلست بعد الا فردا لا تمتد مسئوليته الي غير نفسه اما هو - فهو زعيم جماهيري لمئات الالوف وعليه ان يلحظ اعتبارات عديدة لا يلحظها مفكر في برجه العاجي وأمس هذه الاعتبارات هو مستوي الفهم العام لجمهوره، وما يمكن ان يتقبله ويسيغه، ان القائد وإن كان يقود جمهوره فان جمهوره يمسك به ويجعله يلحظ ويراعي مستوي فهمه.. فضلا عن اعتبارات اخري تتعلق بموازين القوي في المجتمع وتياراته الخ.

  وأذكر اني كتبت له خطابا طويلا في اشد الفترات حلكة بعد ان حل النقراشي الاخوان بقرار عسكري ولج في خصومته، وحاول الامام البنا معه محاولات مستميتة للتوصل الي تسوية وهم يحاولون ابتزازه وخداعه وهو يكاد ينوء بمطالب عدة الوف من الافواه الجائعة من اسر المعتقلين الذين اوقفت مرتباتهم او اغلقت محالهم، اقول كتبت اليه ان يريح نفسه من هذا الهم العصبي المزدوج وان يسافر الي جهة بعيدة.. ولا اعلم ماذا كان وقعه عليه ، لاني اعتقلت بعد كتابته ولم يفرج عني الا بعد ان استشهد.

  وأود ان اقول ان علاقتي بالامام البنا رحمه الله رغم الاختلاف الفكري كانت مشحونة بالعاطفة كان هو بكر الاسرة وعميدها. وكان استاذي في السنة الاولي الابتدائية بمدرسة الاسماعيلية اذ اخذني معه هناك. وكان الملاذ لي عندما تضيق الامور، وفي الوقت نفسه فانه رغم الاستقلال والاختلاف - كان يعجبه فيما يبدو ان يكون لاخيه هذا الاستقلال ويلمس ما لديه من قدرات. وهناك واقعة يهمني ان يعلم بها الاخوان المسلمون الان قيادة وجمهورا ليتعلموا من مرشدهم العظيم ما قاله اولا مرشد وبني المسلمين جميعا من ان الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو الاحق بها، بدلا "ان يتقوقعوا او يضعوا الاسوار والحواجز حول انفسهم ويصدروا تعليماتهم.. لا تقرأوا لجمال البنا..

  هذه الواقعة هي الاتي..

  كنت قد اصدرت في سنة 1946 رسالة صغيرة - من رسائل الجيب - باسم "علي هامش المفاوضات" تتحدث عن المفاوضات التي كانت تدور بين صدقي باشا ولورد سنانسجيت، وكالعادة قدمت نسخة منها للامام البنا ولم أعلم شيئا بعد، ولكن صديقي الشيخ عبدالعزيز الخياط وزير الاوقاف الاسبق في الاردن وأحد الذين كنت قد تعرفت عليهم عندما كان يطلب العلم في الازهر ؛ لانه كان من المترددين علي قسم الاتصال بالعالم الاسلامي الذي كنت امضي فيه بعض ساعات فراغي، كتب الي ان الامام البنا قرأ رسالة الجيب وأعجب بها كثيرا وجاء في رسالته بالحرف الواحد "كنا في قسم الاتصال بالعالم الاسلامي ومعنا يومها الاستاذ عبدالحفيظ الصيفي والاستاذ محمد سعيد من سوريا ثم دخلنا علي استاذنا المرشد حسن البنا رحمه الله تعالي، وكنت اتولي في ذلك الوقت كتابة التعليقات السياسية في مجلة الاخوان المسلمين، وكذلك الصفحة الاخيرة من جريدة "الاخوان المسلمين"، كل يوم جمعة، فأخذنا نسأله -رحمه الله تعالي- عن بعض الامور السياسية، وتطرق البحث الي الوضع السياسي في مصر آنذاك فقال لنا: لقد اصدر جمال كتيبا صغيرا عن الموقف السياسي في مصر وألقي عليه نظرة عميقة اقرأوه وتعلموا من هذا الشاب كيف يفهم الموقف السياسي والتحليل السياسي". هذا ما اذكره من هذه الحادثة وقد كررها رحمه الله تعالي في موقف اخر، كان الاستاذ عبدالحكيم عابدين رحمه الله تعالي وفريد عبدالخالق، ولعله كان الاستاذ حسن دوح كذلك يستمعون وقد نصحهم بقراءة ما اصدرت يومئذ".

  وقد صدرت هذه الرسالة باعتبارها من اصدارات قسم التبادل الثقافي بحزب العمل الوطني الاجتماعي، ولم يثن ذلك الامام البنا رحمه الله عن توجيه نظر الاخوان اليها والاستفادة منها.

  بعد ان استشهد الاستاذ البنا رحمه الله، وخرجنا من المعتقلات كنت أعلم انه اوكل للشيخ الباقوري تولي امور الاخوان ومساعدة اسر المعتقلين، وكنت اعرفه ؛ لانه من رعيل الثلاثينيات / الاربعينيات. فكتب اليه مذكرة برأيي في الموقف الامثل للاخوان في تلك الايام المريجة.

  لعل الوحيد الذي لم يكن اعرفه ممن شغلوا منصب المرشد العام هو الاستاذ حسن الهضيبي وذلك لانه كان يشغل منصبا رفيعا في القضاء فكان عليه ان يكتم ايمانه ولا يظهر في اجواء الاخوان وكانت علاقته هي بالامام البنا مباشرة. وهذا ما ينطبق علي ابنه الدكتور مأمون فضلا عن انه عندما شغل منصب المرشد العام كان العهد قد بعد بعلاقتي القديمة بالاخوان، ولكني اذكر اني كتبت للاستاذ عمر التلمساني اكثر من مرة، وفوجئت يوما بسكرتيره يتصل بي ويرجو الحضور لان الاستاذ المرشد لديه ما يريد ان يقوله لي، وذهبت اليه فطلب مني ان اكتب له تقريرا عن العمل والنقابات من وجهة نظر اسلامية، وقمت بذلك وقدمت اليه تقريرا مسهبا، واذكر ان الرجل اصر علي ان يدفع لي مقابلا ماديا وعندما رفضت قال ان هذا عمل فني وان هناك بندا للاتفاق عليه، وقدم لي سكرتيره المبلغ، وكان فيما اظن 150 جنيها.

  وكنت قد ذكرت في احد كتبي ان من الخير للاخوان ألا يهتموا بالانتخابات النيابية وان يركزوا العمل علي النقابات، ولعله اطلع عليه، وفي جميع الحالات فانه كان يلم بخبرتي النقابية.

  وعندما كتبت كتابي "ما بعد الاخوان" ارسلت نسخة للاستاذ مصطفي مشهور وكان وقتئذ هو المرشد، ورغم العنوان المستفز للكتاب الذي ضاق به بعض الاخوان فان الرجل تقبل الهدية وكتب الي خطابا مهذبا يطمئنني فيه علي ان الاخوان بخير وانهم ماضون لأداءرسالتهم.

  وعندما وفق الاخوان في اكتساب الاغلبية العظمي في انتخابات النقابات المهنية وبوجه خاص الاطباء والمهندسين اتصلت بالاستاذ مصطفي مشهور تليفونيا وقلت له ان الاخوان نجحوا في هذه الانتخابات ولكن ليس لديهم خبرة فنية نقابية. والعمل النقابي له اساليب خاصة وطرق معينة ابتدعها خلال الكفاح الطويل.. ولدي من الخبرة والمعرفة بحكم عملي كمحاضر لمدة ثلاثين عاما في معهد الدراسات النقابية وانا مستعد لتقديم هذه الخبرة مجانا، وكواجب للقيادات الاخوانية في النقابات المهنية عن طريق محاضرات او كتيبات او جلسات عمل الخ.. فاستمع الرجل الي ووعد بالاهتمام.. وبعد يومين ارسل الي الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح والمهندس ابو العلا ماضي لأخذ فكرة موسعة عن الموضوع، فشرحت لهما الفكرة بإسهاب وأعجبا بها ووعدا بنقلها الي للمرشد، ولكنهما لم يعودا وفهمت ان في الاخوان جناحا محافظا تقليديا يتحاشي اي تجديد ويرفضه.

  وأخيرا فقد تعرفت علي الاستاذ مهدي عاكف عندما كان مديرا للمركز الاسلامي في ميونخ وزرت المركز خلال زيارتي لجنيف.

  اردت بهذه الكلمات ان اعرف الاخوان اني وإن لم اكن عضوا فان بيني وبينهم ما لم يتهيأ لبعضهم وما يجعلني اقدر علي الحكم من الذين اندمجوا منها وفقدوا ملكات التقدير واستقلالية الفكر.

  وأشهد الله تعالي اني ما اردت بكل كلمة كتبتها عن الاخوان الا نفعا لهم واستدراكا لما ينقصهم لان هذا هو واجبي ككاتب امين، ولأني أومن ان فيه سددا لفضل الامام الشهيد عليّ وحرصا علي استمرار - الخط الذي وضعه- خط الانفتاح وطلب الحكمة أينما كانت.

 

للتعليق على هذا الموضوع