30 سبتمبر 2005

 

كبرى الحركات الشعبية.. غائبة ومسجونة

نحو الديمقراطية 3-4

جمال البنّا

 

  

  إذا قلت كبرى الحركات الشعبية فاني لا أبالغ بل ليس ذلك مقصورا على مصر، انه في كل العالم، أن الحركة النقابية هي تمثيل للشعب العامل دون تفرقة بين صغير وكبير- رجل وامرأة. عامل ومهني لهذا فإنها من ناحية العضوية اكبر الحركات الشعبية في العالم، بما في ذلك مصر، فإنها تضم أكثر من سبعة ملايين نصفهم من العمال ونصفهم من المهنيين.

 

  لقد تعرضت هذه الحركة لملاحقة السلطة منذ أن بدأ الانقلاب العسكري سنة 1952 فقد نظم عمال الغزل والنسيج بكفر الدوار مظاهرة ابتهاج بالحركة وأمل في مستقبل يتخلص من الاستغلال الرأسمالي ولكن الجيش كبت الحركة بقسوة وقبض على زعمائها وحوكموا في محكمة أشبه بمحكمة دنشواي وحكم على اثنين هما البقري وخميس بالإعدام وأعدما فورا في موقع الحركة، وهذا ما لم يحدث إلا في دنشواي وكان هو الذي اقتلع اللورد كرومر عميد الاستعمار البريطاني العتيد.

 

  وفي سنة 54 حلت الحكومة نقابة الصحفيين ونقابة المحامين لانهما طالبتا بعودة الجنود إلى ثكناتهم واستئناف الحياة الديمقراطية ونمت هاتان الحركتان عن عداوة متأصلة ما بين السلطة العسكرية والحركة النقابية فلاحقت السلطة الحركة النقابية عمالية أو مهنية بالقيود.. ولما صدر قانون العمل 64 لسنة 63 اشترط عضوية الاتحاد الاشتراكي لكل من يرشح لأي منصب نقابي.. وكان معني هذا استلحاق الحركة النقابية عمالية أو مهنية ووضعها تحت هيمنة التنظيم السياسي الوحيد.

 

  وشيئا فشيئا "دجنت" السلطة و"استأنست" ورشت مجموعة من القيادات النقابية العمالية بأن يجعلهم أعضاء في مجلس الأمة وترشيحهم في دوائر مغلقة لا يدخلها إلا هم. وجعلت من رئيس الاتحاد وزيرا للعمل ومن وكيل الاتحاد وكيلا لمجلس الأمة كما نصت على أن يكون 50% من الأعضاء من العمال والفلاحين.

 

  هذه هي الرشوة الضخمة التي قدمتها الحكومة للحركة النقابية واستلحقت بموجبها هذه القيادات بحيث أصبحت "صوت سيدة" ومنذ أن رشح 50% من العمال والفلاحين ولم يتحدث نائب واحد طوال سنوات "الثورة" بكلمة او يفتح فمه الا اذا كان هتافا للزعيم الملهم والا اذا كان "نعم" و"موافقون".

 

  وهذه هي انجازات الثورة التي تفخر بها للعمال.

 

  اما في الحقيقة فانها انتزعت القيادات من الصفوف ووضعتهم في خدمة الحكومة.. وفي سنة 93 عندما اكتسب الإخوان المسلمون الأغلبية الساحقة من الأصوات في نقابات المحامين، والأطباء والمهندسين والمعلمين الخ.. أصدرت الحكومة القانون 100 لسنة 93 الذي حل مجالس إداراتها الشرعية المنتخبة وأحل مجالس إدارية هجينة وأوقف عمليا نشاط هذه النقابات لأكثر من عشر سنوات طوال حتى قهرته الإرادة المصممة العنيدة للمهنيين فلجأت الحكومة إلى أساليب الكيد والاختراق.

 

  نقول إن الحركة النقابية- عمالية ومهنية- أخرست أصواتها وكبلت جهودها وشلت فعاليتها فلم تستطع ان تقوم بدور بينما كان الفساد يستشري ولم يطلق سراحها لتنبه المسئولين الذين كانوا في غفلتهم سادرين ويعمهون إلى أخطائهم حتى يقلعوا عنها حتى لا تقع الكارثة، فوقعت الكارثة بالفعل ووجدنا أنفسنا وقد دفعتنا هزيمة 67 إلى الوراء مائة سنة! ودمرت الناصرية وذهبت معها كل أموال وثروات الشعب وعندما جاء السادات وأراد أن يصلح فانه فتح الباب أمام الرأسماليين المتطفلين والانتهازيين فاغتالوا البقية الباقية ووصل حكم الفساد واستئثار الرأسمالية واحتكاراتها ورفعها للأسعار الخ... إلى الاوج، دع عنك نهب البنوك واستيراد المبيدات التي تبيد بني آدم إلى آخر هذا السجل المخزي والذي تخجل منه اي حكومة لديها اقل احساس بالمسئولية.

 

  لقد كانت تلك هي مجالات عمل الحركة النقابية ولكنها قيدت وعقمت فشاهدت الحريق وهو يستعر دون ان تفعل شيئا فلم تنهض بالبلاد ولم تتصد للفساد ولو تركت طليقة لتصدت لاصحاب الاعمال وأوقفتهم عند حدهم ولفضحت المرتشين والانتهازيين واللصوص من كل نوع ولحمت الشعب من شرهم، ولكن الحكومة شلت الحرية النقابية واستتبعت القيادات النقابية فلم تستطع ان تفعل شيئا وهي تري اللصوص ينهبون والبيت وهو يحترق.

 

  اذا اريد تحقيق الديمقراطية فلابد ان تترك الحركة النقابية عمالية او مهنية حرة، ان الحركة النقابية لها اصحابها الشرعيون وهم العمال والمهنيون ومن حقهم ان يؤسسوها بما يحقق ارادتهم طبقا للاتفاقيات النقابية الدولية واهمها الاتفاقية 87 لسنة 48 التي صدقت عليها مصر، فضلا عن الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اعتبر الحرية النقابية جزءا من حريات الانسان وعلي الحكومة ان ترفع يدها عن كل قضايا التنظيم النقابي صغيرها وكبيرها وان تنهي سياستها التي جردت التنظيم النقابي علي مستوي القاعدة من الحرية والسلطة وجعلت هذين في النقابة العامة ثم سلطت الاتحاد العام علي النقابات العامة- ورئيسه هو وزير العمل ووكيله هو وكيل مجلس الأمة- الشعب. فحدد عدد النقابات العامة بما يحقق الاحتكار النقابي وحدد اختصاصها واخيرا فانها سلطت وزارة العمل علي الاتحاد بحيث استحكمت حلقات الاستتباع واصبحت في النهاية في يد الحكومة.

 

  لابد من الغاء كل القوانين النقابية الراهنة وجعل التنظيم النقابي رهنا لارادة العمال واستبعاد الاحتكار النقابي والاخذ بالتعددية النقابية. فاذا لم يحدث هذا فلن تتحقق الديمقراطية لان الحركة النقابية هي التي تحرس دعائم الديمقراطية وهو العدل ويحول دون ان تتحرش الحرية بالعمال والشعب وان تستخدم قواها لإثراء نفسها بالاحتكار أو برفع الأسعار أو تخفيفض الأجور أو التخلص من العمال الخ.

 

  افتحوا الحرية أمام الحركة النقابية لتقوم بدورها في حماية العاملين وفي خدمة الشعب وفي مقاومة الفساد والمفسدين

 

نحو الديمقراطية 1

نحو الديمقراطية 2

 

للتعليق على هذا الموضوع