24 فبراير 2006

 

 

 

 

هل يفعلها الإخوان؟

جمال البنا

 

 

  صديقي السفير فاروق شلباية الذي يعد من خيرة الدبلوماسيين وشغل مناصب هامة حتى نهاية مدة خدمته عندما اشتغل بالقضايا العامة. والذي قابلته أول مرة في منتدى النداء الجديد وتلاقت أفكارنا..

  جاءني هذا الصديق وقص علي كيف أن أحد معارفه أراد أن يأخذه ليلتقي بفضيلة الأستاذ مهدي عاكف مرشد الإخوان المسلمين ليتأكد من إخلاص ووطنية وسعة أفق الإخوان، ولكنه تردد ثم رفض وقال لصديقه "لا جدال إني سأسمع من الأستاذ عاكف كلاماً جميلاً واستعداداً كريما وآراء قيمة. ولكني لا أريد كلاماً مرسلا. أنا أريد شيئاً واحدا هو أن يصدر الإخوان "مسودة" أو "مشروع" دستور يغطي ـ ككل الدساتير ـ أهداف ووسائل الدولة وتحديد سلطانها وكل ما تتضمنه الدساتير فهذا هو الذي سيحدد لي الموقف المسئول للإخوان فإذا كانت صيغة الدستور الموضوع سليمة تحقق فكري عن الحرية والتقدم واستلهام قيم القرآن مع الإفادة من كل ما قدمه العصر والثقافة من خبرات ومهارات.. ففي هذه الحالة يمكن أن أنضم إلي الأخوان أمينا مع نفس قريراً ـ وسعيداً، بوجود هيذة تلتزم بما أومن به..

  ومن المسلم به أن الإخوان المسلمين كانوا عرضة للقيل والقال وهناك من رفعهم إلي السماء كما أن هناك من هبط بهم إلي الأرض، ورغم ما ذكره الإخوان مراراً وتكراراً من إيمانهم بالتعددية السياسية، وتداول السلطة، وحقوق المرأة في العمل والمشاركة السياسية، فإن هذا كله يكون ملتبسا، وقد يتضمن بعض التحفظات، وهناك دراسات وآراء عديدة صدرت في مختلف عهود الإخوان تتضمن قدراً كبيراً من التعارض، فضلاً عن أن هذا لا يغطي القضية العامة كلها.

  ومادام الإخوان قد لعبوا لعبة السياسة، فمن الخير لهم أن يعرضوا فكرتهم بوضوح لا في دراسات مسهبة ولا بحوث أكاديمية فقهية، ولكن في شكل محدد لأن الذي يريد أن يحكم لهم أو عليهم، لا يحكم عليهم بدراسات أو أبحاث، وإنما بما يقدمه مشروع دستور الإخوان للحكم.

  إن فكرة تقديم دستور إسلامي ليست جديدة بل هناك بالفعل عدد كبير تقدم به أفراد أو هيئات، ولكنها كلها تعتمد علي آراء فقهية عرضت في السياسة الشرعية لابن تيميه أو الأحكام السلطانية للماوردي وكأن واضعيها يعيشون في قرون قد خلت، ولا يلمون أو يدركون شيئاً عما جاءت به العصر الحديث من مستجدات ومن تنظيم ومن ملاحظة لما كشفت عنه التجربة التاريخية الخ..

  من هنا فأنا أنصح الإخوان بعدم العودة إلي مثل هذه الدساتير والأفضل أن يعودوا إلي دستور سنة 23 الذي وضعته مصر الليبرالية ثم يدخلون من التعديلات ما يرون أن فكرهم يلزمهم به، وأن يبتعدوا قدر الطاقة عن التعبيرات المبهمة أو العامة وأن يضعوا نصب أعينهم قضايا معينة مثل حرية الفكر والاعتقاد، وحرية التعبير أي تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات الخ.. وضمانات لتحقيق كرامة الإنسان وجعل التعذيب مثلاً جريمة كبري تستوجب أقسي العقوبات والنص علي استقلالية القضاء بطريقة فعلية وليست قوليه.. وأخيراً قضية القضايا "التنمية" وهل يقف تحريم الربا عقبة في سبيل الاقتصاد الحر؟ وهل تتبع في التنمية وصفة البنك الدولي المنكودة فإذا أردنا أن نتحرر فهل نلوذ بالتخطيط المركزي وكيف يمكن الوثبة علي الأوضاع المتردية بحيث لا يتأخر مشروع التنمية الخ؟

  وأود أن أوضح للإخوان أن هذا الدستور قد تقبله الإمام الشهيد، وسيجدون في رسالة "مشكلاتنا السياسية في ضوء النظام الإسلامي ما يمكن أن يضعوا دستوراً ليبرالياً ـ إسلامياً.

  لا أبالغ إذا قلت إن الألوف تنتظر مثل هذا الدستور، وأنه إذا ظهر بالصورة المرضية فإنه سيقطع الطريق علي حملة التشكيك وعلي موقف التردد الذي يقعه كثير من المفكرين المتعاطفين مع فكر الإخوان، بل والراغبين في إعطائهم فرصة هي من حقهم كمصريين ظلموا ظلماً شنيعاً وحيل بينهم وبين المشروعية بقرارات حكم عسكري كما كان الأمر في الحل الأول أو بقرارات مجلس قيادة الثورة الذي أدعي لنفسه صفة السيادة التي لا يطعن فيها، ولم يعرض حل للإخوان علي مجلس نواب أو شعب وزارة أغلبية الشعب. وعندما جاءت مثل هذه الوزارة سنة 51 استبعد الحل وأعيدت الجماعة وعادت إليها دورها وأملاكها حتى جاء الانقلاب العسكري وحكم العسكر.

  هل يفعلها الإخوان؟ ياليت..

 

للتعليق على هذا الموضوع