6 مايو 2005

 

 

دراسة في لغة القرآن*

روبرت ر. فينيكس الابن وكورنيليا ب. هورن

 

 

ترجمة: أكرم أنطاكي وديمتري أفيرينوس

 

[1] لم يسبق لمثل هذا العمل أن صَدَرَ في تاريخ تفسير القرآن كلِّه؛ إذ لا يمكن أن نجد أعمالاً كهذه إلا في سياق الدراسات العلمية النقدية لنصوص الكتاب المقدس. لكن لوكسنبرغ، عبر منهجية هذا العمل على لغة القرآن واستنتاجاته، حرَّر الباحثين من الموروث الإشكالي للمفسِّرين الإسلاميين. وسواء كان مصيبًا أم غير مصيب في كلِّ ما أورد من تفاصيل، إلا أنه، عبر كتاب واحد، وضع التفسير الاختصاصي للقرآن أمام ذلك "المنعطف الحرج" الذي اتَّخذه مفسِّرو الكتاب المقدس قبل ما يزيد عن قرن. لقد بيَّن هذا العمل لمفسِّري القرآن قاطبة سلطانَ المنهج العلمي الفيلولوجي  وقيمته في تقديم نصٍّ أوضح للقرآن؛ الأمر الذي سيجبر الباحثين الجادين، من الآن فصاعدًا، على التشكيك، من منظور فيلولوجي  لغوي، في افتراض التعويل على التراث النقلي الإسلامي في معظمه، وكأنه معصوم عن الخطأ البشري الذي يتخلل نقل أية وثيقة مدوَّنة. فإذا جاز لنا أن نعتبر دراسات الكتاب المقدس مؤشرًا فإن هذا العمل قد حدَّد نوعًا ما مستقبل الدراسات القرآنية.**

 

[2] يقدم الكتاب أطروحةَ ومراجعَ المنهجَ والأمثلة على تطبيقه في ثمانية عشر بابًا. وتغطي الأبواب، من أولها إلى عاشرها، خلفية ومنهج وتطبيق ذلك المنهج على فكِّ الاستغلاق الذي يطوِّق أصل كلمة قرآن ومعناها، تلك الكلمة التي يرى فيها لوكسنبرغ مفتاحًا لفهم النصِّ القرآني ككل. أما الأبواب من الحادي عشر إلى الثامن عشر فهي تستخلص من النتائج المتحصَّل عليها في النصف الأول لتناقش حلولاً ممكنة لعدة عبارات إشكالية وَرَدَتْ في النص. وهذه تتضمن مشكلات مصطلحية ونحوية وتركيبية تمثِّل للمبادئ الأساسية المبطِّنة للأغلاط العديدة الناجمة عن نقل القرآن (الأبواب من 11 إلى 14)، كما وتوسيع هذا المنهج للفحص عن المشكلات المولِّدة لسوء فهم متكرِّر للمواد المطروحة في النص (البابان 15 و16). ثم يطبق لوكسنبرغ استنتاجاته في تأويل سورتي الكوثر والعلق. ويتضمن الباب الثامن عشر موجزًا للعمل ككل.

 

[3] يستهدف لوكسنبرغ تقديم  مختارات من النتائج المستخلَصة من بحوثه  الجارية في لغة القرآن بحيث يمكن البدء بنقاش أولي حول مناهج لسانيات النص وحول ما يترتب عن تلك النتائج على مضمون القرآن، دونما حاجة إلى الانتظار حتى انتهاء العمل بمجمله. فهذا العمل مجرد مسودة مؤقتة أو فرضية، شرحت  بالاستدلال ودُعِّمت بأدلة وفيرة. فلوكسنبرغ يدرك جيدًا أن العديد من دعائم  عمل فيلولوجي  لغوي متماسك مازال ناقصًا؛ وقد وعد بتقديمها في دراسته النهائية.

 

[4]في مدخل كتابه يلخِّص لوكسنبرغ الأهمية الثقافية واللغوية للسريانية المكتوبة في نظر العرب والقرآن. ففي زمن محمد لم تكن العربية بعدُ لغةً مكتوبة؛ فقد كانت السوريانة–الآرامية أو السريانية هي لغة الاتصال  المكتوب في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الثاني للميلاد وحتى القرن السابع. كانت السريانية، وهي لهجة آرامية، لغة مدينة–دولة الرَّها في أعالي الرافدين. وفي حين لم تعد الرَّها كيانًا سياسيًّا صارت لغتُها، وعاء المسيحية والثقافة، منتشرة من  آسيا لتصل حتى أقاصي مالابار وشرق الصين. وهكذا ظلت السريانية، حتى ظهور القرآن، هي وسيط الاتصال الأوسع ونشر الثقافة عند الآراميين والعرب، والفرس بدرجة أقل. وهي التي أبدعت النتاج الأدبي الأغنى في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الرابع (أفرهاط وأفرام) حتى تم استبدال العربية بها في القرنين السابع والثامن. ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن الأدب السرياني–الآرامي، بما هو المهد  الثقافي التي  لهذه الثقافة، يكاد يكون مسيحيًّا حصرًا. ويُظهِر جزء من دراسة لوكسنبرغ أن التأثير السرياني على أولئك الذين اخترعوا  العربية المكتوبة كان ينتقل عبر وسط مسيحي وأن تأثير هذا الوسط كان حاسمًا.

 

[5] ثم يقدم لوكسنبرغ اشتقاقًا لكلمة "سرياني"، مستعرضا الأحاديث النبوية الأولى التي تذكر أن محمدًا كان يحضُّ صحابته على تعلُّم السريانية (والعبرية أيضًا). والأمر لا يمكن أن يكون غير ذلك لأن تلك الآداب كانت المقدمات  الأدبية للعربية المكتوبة. وقد وضع لوكسنبرغ دراسته لاختبار صحة الفرضية التالية: بما أن السريانية المكتوبة كانت لغة العرب المكتوبة، وبما أنها كانت تشكل الوعاء الثقافي للشرق الأدنى، كما كانت الآكادية التي سبقتْها أو العربية التي تلتْها، فإن من المرجح  جدًّا أن تكون السريانية قد تركت بعض البصمات على الذين طوَّروا العربية المكتوبة. ويمضي لوكسنبرغ مفترِضًا أن هؤلاء العرب كانوا متنصِّرين ومشاركين في الشعائر المسيحية.

 

[6] تنبَّه الدارسون الغربيون، منذ القرن التاسع عشر، إلى تأثير اللغات الأجنبية، ولاسيما اللهجة الآرامية المسماة بالسريانية، على مفردات القرآن. وقد جمع لوكسنبرغ كل ما يمت إلى هذا المنحى من البحث، وصولاً إلى فحص منهجي  لعربية القرآن بغية تأمين حلٍّ شامل لمصاعبه اللغوية العديدة. وقد اعتمدت النتائج التي استخلصها حول أصل القرآن، و انتقاله من محمد إلى عثمان، والموضوعات التي تضمنها، إلى حجج مشتقة من أدلة جُمِعَتْ وفُحِصَت   بأدوات مناهج الاشتقاق والقراءة النقدية للنصوص. فلا يستند أيُّ جزء من هذه المنهج على القبول الأعمى للافتراضات الدينية الموروثة، أيًّا كان نوعها، وخاصة منها ما يمت إلى المفسِّرين العرب. فحتى الآن لم يكن المفسِّرون الغربيون النقديون الجادون "نقديين" بما يكفي في هذا الصدد. ويبرهن لوكسنبرغ، مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال استنتاجاته، أن هذه الثقة لم تكن في محلِّها. من هنا ليس لأية حجة تسعى إلى التدليل  على عدم صحة فرضيات لوكسنبرغ أن تفترض أن المفسِّرين العرب فهموا قواعد ومفردات عربية القرآن فهمًا سليمًا. وهذه من أهم إسهامات هذه الدراسة.

 

[7]  يقدِّم لوكسنبرغ ما جاء في التراث الإسلامي عن التاريخ المبكر لنقل القرآن. فبحسب ذلك التراث كان الخليفة عثمان بن عفان (644-655 م) هو أول من جمع آيات و سور القران  في مصحف واحد (570-632 م). فالقرآن هو أول كتاب باللغة العربية اطَّلع عليه الفقهاء. وهذا مهم جدًا لأنه أساس العربية المكتوبة – لغة حضارة وسيطية رفيعة – ولأنه، عند المسلمين، منبع كلِّ تعبير وفقه وتشريع ديني، ويُعتَبَر وحي الله إلى محمد. وهو في نظر غير المسلمين نتاج أدبي هام يستحق الدراسة، سواء من منظور تاريخيٍّ أو فيلولوجي.

 

[8] وهذا المنظور هو الذي يتَّبعه لوكسنبرغ. فالمفسِّرون الغربيون قد اتَّبعوا التقليد الإسلامي بدلاً من استعمال الأدوات والفنون المرجعية للبحث الفيلولوجي. ويقدِّم لوكسنبرغ عرضًا موجزًا لما تضمَّنتْه المكتشفات من أعمال هامة تتناول الفيلولوجيا أي الدراسات اللغوية القرآنية في الغرب. لقد تنبَّه العلماء بشكل متزايد إلى ما يتضمنه القرآن من مصطلحات أعجمية وإشارات إلى أحداث تاريخية أجنبية وإلى الأصول الآرامية لمعظم هذه المصطلحات والإشارات. غير أن إصرار العلماء الغربيين على اعتماد المقاربة البالية علميا  لتفاسيرهم الإسلامية جعل معنى اكتشافاتهم  ينتظر  صدور هذه الدراسة.

 

[9] الباب الثاني من دراسة لوكسنبرغ لا يتخطَّى بكثير مجرد التصريح بأن دراسته مستقلة عن كلا الأبحاث العربية والغربية، تحديدًا لأن منهجه لا يستند إلى شروح المفسِّرين العرب، إنما بالحري إلى الأدوات المعجمية العربية والسريانية، بالإضافة إلى اللسانيات السامية المقارنة. وكان مصدره الرئيسي بين المفسِّرين العرب هو التفسير الأقدم للقرآن للطبري. [1] لم يكن في حوزة الطبري أيُّ قاموس يستطيع مراجعته، فكان مضطرًّا إلى الاتكال على الأثر الشفوي وعلى مفسِّرين أقرب إلى معاصرة محمد ممَّن حافظت مؤلفاتُهم المفقودة جزئيًّا على كلامه. فكان اللسان، ذلك القاموس الأوسع للغة العربية، [2] والترجمات والتفاسير الغربية لبِلْ [3] وبلاشير [4] وباريت، [5] والقاموسان السريانيان لباين سميث [6] وبروكلمان، [7] ومعجم مَنَّا الكلداني–العربي، [8] هي الأعمال المرجعية الأولية الأخرى.

 

[10]  تم اعتماد هذه المواد موضوعًا في خدمة المنهج في الباب الثالث، حيث يصرِّح لوكسنبرغ أن الهدف الرئيسي من الدراسة هو توضيح العبارات التي لم تتَّضح للمفسِّرين الغربيين الثلاثة. وقد قاده اكتشاف وجود الكثير من المفردات الآرامية الأصل إلى الرجوع إليها في تلك المقاطع التي لم تكن من "المتشابهات" بحسب افتراض المفسِّرين الغربيين. وكان الفحص عن هذه المقاطع مبرَّرًا، خاصةً حين لم تكن تفاسير المفسِّرين العرب (التي اتَّبعها المفسِّرون الغربيون إلى حدٍّ كبير) مطابِقة لسياق الكلام على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، لم يكن لدى الطبري أية أدوات معجمية، كما أنه لم يستشهد إلا فيما ندر بأبيات من الشعر العربي الجاهلي تأييدًا لتفسيره عبارة معينة. في مثل هذه الحالات يكون هامش الخطأ واسعا لأن التحقق من سياق تلك القصائد الجاهلية كثيرا ما يكون صعبًا للغاية. ومع ذلك، كان المفسِّرون الغربيون، في كثير من الأحيان، يقبلون تلك التفاسير دون أيِّ نقاش.

 

[11] حاول لوكسنبرغ، مستعملاً منهجه الفقهي اللغوي، توثيق السياق التاريخي للقرآن بغية التوصل إلى مقاربة منهجية لحلِّ المشكلات النقدية النصِّية. وكان مرجعه الأساسي في هذا هو الإصدار المعترف به للقرآن المنشور في القاهرة (1923-1924) الذي طُبِعَ بدون شَكْل. وتكمن ميزة هذا الإصدار، قياسًا إلى ما سبقه، في سعيه إلى اعتماد قراءاته على المقارنة بين المفسِّرين العرب الأوائل. وأهم ما يميِّز هذا العمل هو أن محرِّريه حاولوا تثبيت التنقيط الذي يفرِّق بين القراءات المختلفة لحرف واحد. وقد عدل  لوكسنبرغ هذه النقط في حالات عديدة، لكنه فعل هذا بإتباعه منهجًا واضحًا ومفصَّلاً: فعندما كان مخيَّرًا بوضوح بين قراءتين مختلفتين رجَّح القراءة الأصعب؛ وفقط عندما كان تعبير معيَّن غير واضح بشكل جليٍّ، وعندما يعدم المفسِّرون العرب تفسيرًا معقولاً لذلك، كان لوكسنبرغ يستكشف حلاً يتطلَّب تغيير واحدة أو أكثر من النقط في الطبعة القاهرية.

 

[12] يسلِّط لوكسنبرغ الضوء على منهجه الاستدلالي. ومنهجه، انطلاقًا من تلك المقاطع التي أشكلت على المفسِّرين الغربيين، يجري كما يلي: في البدء كان يتحقق من وجود تفسير معقول في الطبري أهمله المفسِّرون الغربيون؛ فإنْ لم يجده تراه يدقق فيما إذا كان اللسان يتضمن معنى لم يعرفه الطبري أو مصادره الأسبق. فإذا لم يسفر البحث عن شيء، كان يتحقق ضمن السياق إن كان لتلك العبارة العربية جذرٌ آرامي يشابهها لفظًا ويخالفها معنى وينطبق على السياق. وقد وجد لوكسنبرغ، في حالات عديدة، أن الكلمة السريانية بمعناها كانت أكثر منطقية – مع الإشارة هنا إلى أن هذه الخطوات الأولى للاستدلال لم تمس النص الخالي من الحركات للطبعة القاهرية للقرآن.

 

[13] فإذا لم تسفر هذه الخطوات عن شيء، كان يتأكد من أن تبديل واحدة أو أكثر من النقط يؤدي إلى جعل العبارة العربية أكثر منطقية. وقد وجد لوكسنبرغ أن المشكلة في العديد من الحالات عبارة عن التباس حرف ساكن بآخر. فإن لم يسفر هذا عن شيء كان يعمد إلى تغيير نقطة أو أكثر  بعدُ التحقق من وجود جذر سرياني مشابه للفظً معقول المعنى.

 

[14] فإذا لم يحصل بعد هذا كلِّه على حلٍّ، يتحقق مما إذا كانت الكلمة العربية نسخة من تعبير سرياني. وللنُّسَخ هنا معنيان: صرفي ودلالي. النسخة الصرفية هي استعارة تحافظ على بنيان الكلمة الأصلية، لكنْ باستعمال كُلَيْمَات اللغة المنقول إليها. على سبيل المثال، فإن كلمة Fernsehen الألمانية مؤلَّفة من كُلَيْمتَيْ tele وvisio المكوِّنتين لكلمة television الإنكليزية، مترجَمتين إلى مرادفتيهما الألمانيتين. أما النسخة الدلالية فهي تنسب المعنى المستعار إلى كلمة لم تكن تحمله سابقًا، لكنه على كلِّ حال مرادف  للكلمة الأصلية.

 

[15] ويعرض لوكسنبرغ في الباب الرابع لتطور الكتابة العربية ولأهميته المحورية في سيرة نقل القرآن، فيبيِّن أنه كانت ثمة في الأصل ستة حروف للتمييز بين نحو ستة وعشرين صوتاً. وقد جرى من بعدُ تدريجيًا التمييز بين هذه الحروف عن طريق نقط تُكتَب فوق كل حرف أو تحته. وقد بدأت الأبجدية العربية المستعملة في القرآن كفنِّ اختزال أو كأداة تذكير ليس المقصود منها أن تكون مفتاحًا كاملاً لأصوات اللغة. ويستنتج لوكسنبرغ أن نقل النص عن محمد لم يكن على الأرجح نقلاً شفويًّا عن طريق الذاكرة، وذلك خلافًا للرأي السائد والمعتمَد في الموروث الإسلامي.

 

[16] لقد حافظ ذلك الموروث على روايات مختلفة من النقل الشفوي للقرآن؛ وقد جمعها لوكسنبرغ في الباب الخامس من كتابه. فبحسب الموروث الإسلامي، تم نقل القرآن جزئيًّا عبر سلسلة غير منقطعة من القُرَّاء المعاصرين لمحمد، كابن عباس (المتوفى في العام 692)، وحافظت عليه مرجعيات مبكرة، من نحو أنس بن مالك (المتوفى في العام 709)؛ الأمر الذي يتناقض مع ما ينقله موروث آخر مفاده أن عثمان حصل على "صحائف" القرآن من حفصة أرملة محمد وجمعها في مصحف. لكن ما لا يستطيع الموروث الإسلامي تحديده هو تاريخ "تثبيت" تنقيط الحروف في صورته النهائية، تلك الصيرورة التي استغرقت، بحسب بلاشير، ما يزيد عن ثلاثمائة سنة. والسبب في صعوبة اقتفاء تطور القرآن قبل عثمان هو، كما يؤكد الطبري، أن عثمان أتلف كلَّ المخطوطات ذات القراءة المغايرة للنص الخالي من الحركات مما لا يتوافق مع نصه  النهائي.

 

[17] ويورِد لوكسنبرغ في الباب السادس الحديث المأثور عن محمد نفسه والمتعلق بالطبيعة غير المبهمة للنص القرآني الخالي من الحركات، وفيه قصتان يرويهما الطبري؛ ولبُّهما أن محمدًا أجاز كلَّ قراءة للنص لا تبدَّل كلمة رحمة بكلمة عذاب أو كلمة عذاب بكلمة رحمة  . وحجة لوكسنبرغ في ذلك أن هذه القصص اللاحقة قطعًا إنما تعكس ما يُفترَض أنه استذكار باهت لخاصية الإبهام في الأبجدية العربية.

 

[18] ويعرِّج لوكسنبرغ في الباب السابع على كيفية حلِّ الموروث الإسلامي للشكوك، الناجمة عن "مرونة" محمد فيما يتعلق بقراءة النص، التي شاعت بين المفسِّرين الأوائل، فيطبق في هذا الباب طريقته الاستدلالية على القرآن لتبيان أن هذا الأخير يقدِّم الأدلة على أن ما يُعرَف بتقليد القراءات السبع – تلك الأحرف العربية السبعة التي أجازها محمد، اعترافًا منه بتعدد اللهجات العربية – وثيق الارتباط بحروف العلَّة السبع لإسترانجيلي، أي نظام الكتابة الذي طوَّره الناطقون بالسريانية الشرقية؛ إذ يستعمل هذا النظام النقط فوق الحروف وتحتها بما يشبه النقط المستعملة في العربية للتميز بين السواكن. والطبري أيضًا مطَّلع على الموروث الذي مفاده وجود خمس قراءات، تشير إلى الحروف الصوتية الخمسة للسريانية الغربية. وهذه الحروف الصوتية الخمسة في السريانية الغربية كانت أصل حروف العلة الثلاثة للغة العربية الفصحى.

 

[19] ويؤكد ما تبقى من الباب على أسماء العلم ذات الأصول التوراتية في القرآن للبرهان على أن حروف العلة المزعومة – ألف، واو، ياء – لا بدَّ أن تكون متعددة المفعول هي الأخرى. ويشير لوكسنبرغ إلى أن الموروث الإسلامي يقبل قراءة الألف الممدودة /آ/ في بعض الحالات وكأنها /ي/ لأن مثل هذا اللفظ كان خصوصية تميِّز اللهجة المكِّية. كما بيَّن لوكسنبرغ أن مصطلح "حرف" لا بدَّ أن يحمل معنى مرادفًا لكلمة قراءة (بمعنى "طريقة قراءة") وأن هذا لا يعني فقط إضافة حروف العلة إلى نص غير معتلٍّ، لكنه يعني أيضًا إضافة التنقيط الذي يميز الحروف الصحيحة. ولم يتم اعتماد هذا التنقيط إلا تدريجيًّا بحيث آلت الحروف الصحيحة إلى الثبات على قراءة واحدة. وقد امتدت عملية تعيين قيمة كلِّ حرف من أحرف القرآن على ما ينوف على الثلاثمائة عام. وهذا معروف من المخطوطات القرآنية الأقدم التي لا تحوي النقط المميزة للقراءات المختلفة للحرف الصحيح الواحد. ومع شيوع استعمال التنقيط لم يعد المفسِّرون العرب مدركين أن العديد من الكلمات إما ذات أصل آرامي مباشر وإما نُسَخ تتصف بها عربية مكة. من هنا تأتي المصاعب التي واجهت مفسِّري القرآن، بمن فيهم العرب الأوائل .

 

[20] ويرسم الباب الثامن باختصار الصعوبات التي تواجه المترجم النقدي. ويتفق لوكسنبرغ مع تقويم باريت العام لهذه المصاعب، التي تتضمن العديد من الكلمات والعبارات غير الواضحة، وتفاسير متناقضة في الموروث العربي، وغياب نص يعتبر مرجعا ذي تنقيط ثابت، كالنص المتوفر للكتاب المقدس العبري. علاوة على ذلك فإن المفسِّرين المسلمين الأوائل  منقسمون حول العديد من الآيات ، وكثيرًا ما يقدمون لها العشرات من التفاسير الممكنة، المتناقضة والمقبولة جميعًا على حدٍّ سواء في العديد من الحالات.

 

[21] يناقش الفصل التاسع الطرح، الذي يؤكد عليه القرآن نفسه ويشكل أحد عناصر الإسلام الأساسية، الذي مفاده أن القرآن قد أوحي بالعربية. وتمثل فرضية أن أصل القرآن، أم الكتاب، الموجود في السماء  هو الصورة الأولى المباشرة والفورية للنص العربي، التحديَ العقائدي الأقوى لما يذهب إليه لوكسنبرغ من أن عربية القرآن لم تكن، إلى حدٍّ كبير، عربية على الإطلاق، أو على الأقل ليس بالمعنى الذي فهمه المفسِّرون العرب. فلغة القرآن هي لهجة قريش، قبيلة محمد، التي كانت مستقرة في مكة. وهذا لا يستبعد الاحتمال القائل بأن هذه اللهجة كانت متأثرة كثيرًا بالآرامية، وبالسريانية بصفة خاصة][و يتفق علماء اللغات الشرقية على أن السريانية هي اقرب اللغات الشرقية إلى العž