Middle East Transparent

30 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

التّوقيع مع التّحفّظ

د. محمد عبد المطّلب الهوني

 

 

أصدرت مجموعة من المفكّرين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "اللّيبراليّين العرب" بيانا يدعون فيه المفكّرين والكتّاب والمثقّفين العرب في داخل الوطن العربيّ وخارجه إلى التّوقيع عليه، تمهيدا لرفعه إلى الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، بغية استصدار قرار يجرّم فيه فعل التّحريض على القتل وبثّ روح الحقد والكراهية عبر الفتاوى التي يصدرها بعض رجال الدّين من المتعصّبين، مستخدمين الدّين في نضالهم السّياسيّ، محاولين إسكات خصومهم بتصفيتهم الجسديّة إن لزم الأمر.

 

وقد أبرز هذا البيان حجم المعضلة التي نحن يصددها من خلال عرض نماذج من تلك الفتاوى التي تحضّ على أفعال العنف. وكلّ ما تمّ عرضه كان فتاوى لرجال دين مسلمين، ضدّ من يختلف معهم في الدّين أو المذهب أو السّياسة.

 

وإنّنا برغم تأييدنا لهذا النّداء الصّادر من قبل هؤلاء المفكّرين، فإنّنا نبدي التّحفّظات الشّكليّة والموضوعيّة التّالية:

 

1/ من النّاحية الشّكليّة، نرى أنّه من الخطأ أن يعنون هذا النّداء باسم "اللّيبراليّين العرب"، ذلك أنّ في المجتمعات العربيّة الكثير من غير اللّيبراليّين من ذوي النّزعات الإنسانيّة والمدافعين عن حقوق الإنسان، من ديمقراطيّين وعقلانيّين وتنويريّين وماركسيّين واشتراكيّين ومناهضين للعولمة الحاليّة وإسلاميّين معتدلين يمكنهم أن يوقّعوا على مثل هذا البيان. فلماذا هذا العنوان الذي يشرذم كلّ هذه الألوان من الطّيف الفكريّ العربيّ، ممّا قد يجعلها تعزف عن التّوقيع بسبب هذا اللّون المخصوص الذي يضفيه هذا العنوان؟

 

2/نحن لا نعرف لماذا توجّه هذا البيان لفضح سلوك فقهاء الإرهاب المسلمين فقط وترك فقهاء الإرهاب من الأديان الأخرى. فكان حريّا بأصحاب البيان أن يطالبوا مجلس الأمن بتجريم أيّ إفتاء يرتكز على مقولات دينيّة تفضي إلى بثّ روح الحقد والعداء أو تفضي إلى تبرير القتل أو التّشجيع عليه، بسبب الاختلاف في الدّين أو الجنس أو المعتقد السّياسيّ، ممّا يشجّع الأغرار على القيام بتنفيذ هذه الأعمال العنيفة اللاإنسانية.

 

إنّ مجلس الأمن إذا قبل بإنشاء محكمة فلا بدّ أن يضع لها قانونا تحاكم بمقتضاه هذه المجتمعات، فلن نتصوّر أن تكون هناك محكمة دوليّة لمحاكمة إرهابيّين من دين معيّن وإلاّ أصبح هذا القانون عنصريّا في أساسه. ثمّ إنّ القاعدة القانونيّة يجب أن تكون قاعدة مجرّدة، تحاكم السّلوك الذي يحقّقه كافّة أركان الجرم بقطع النّظر عن شخص مرتكبه أو عقيدته أو جنسه.

 

3/ إنّ الدّعوة إلى الإرهاب والتّحريض عليه لتصفية الخصوم أو تشريدهم أو بثّ الرّعب فيهم، قد تكون مستندة إلى إيديولوجية دينيّة كما هو الحال عند فقهاء الإرهاب المسلمين، وقد تكون مرجعيّته قوميّة شوفينيّة أو غير ذلك من المرجعيّات المتعصّبة. لذلك كان من الأجدى بهذا البيان أن يطالب بتجريم هذه الأفعال التي تستند إلى مرجعيّات دينيّة أو غير دينيّة.

 

4/ كان على الذين كتبوا هذا البيان ودعوا إلى توقيعه أن لا يغفلوا عن المطالبة بتجريم كافّة الأفعال المساهمة في إذاعة التّحريض على الحقد والقتل والكراهية والتّرويج لها من صحف ومجلاّت وفضائيّات وغير ذلك من وسائل النّشر والإعلام، وذلك بإيجاد عقوبات جزائيّة لهذه الشّخصيّات المعنويّة، كمعاقبتها بالحرمان من الاشتراك في وكالات الأنباء العالميّة، أو منع شركات الأقمار الصّناعيّة من التّعاقد معها، أو إغلاق مكاتبها في كافّة الدّول التي ستوقّع على الاتّفاقيّة الأمميّة.

 

5/  وأخيرا، إنّ هذا البيان، وبالنّظر إلى استهدافه استصدار قرار من الأمم المتّحدة، يعتبر بيانا عالميّا وليس بيانا إقليميّا. ولذلك كان من الأجدى دعوة كلّ المفكّرين وكلّ كتّاب العالم وكلّ المدافعين عن حقوق الإنسان لتوقيعه، حتّى يكون له وزن كونيّ يسهّل مهمّة مجلس الأمن في اتّخاذ الإجراء اللاّزم.

 

لقد وقّعت على هذا البيان بالرّغم من نقائصه، وأرجو من السّادة الفضلاء الذين كان لهم شرف المبادرة في إيقاظ الضّمائر أن يكون لهم الصّدر الرّحب في تقبّل هذه الملاحظات وأخذ ما يرونه صالحا لإكمال هذه الفكرة التي نرجو أن تتحوّل في القريب إلى مشروع عالميّ إنسانيّ، متمثّل في محكمة دوليّة جزائيّة تقتصّ من الفاعلين المعنويّين لجرائم الإرهاب، وتنهي إلى الأبد محاكم التّفتيش ومعتقلات الإبادة الجماعيّة وميليشيات التّرويع التي تشرّد الآمنين.

 

honiblis@yahoo.fr

 

صفحة "بيان الليبراليين العرب"

 

للتعليق على هذا الموضوع