16 سبتمبر 2005

 

          

في انتظار الملك محمد السادس الملك عبد الله بن عبد العزيز يلغي تقبيل اليد

مصطفى عنترة

 

مما لا شك فيه أن حدث إلغاء العاهل السعودي، الملك عبد الله بن عبد العزيز، تقبيل يده أو يد أحد من أفراد العائلة المالكة، وذلك على خلفية أن تقبيل اليد لا  تقبله النفس الشريفة إلى جانب أنه يؤدي إلى الانحناء وهو أمر مخالف لشرع الله، والمؤمن لا ينحني لغير الله الواحد الأحد...سيعيد النقاش حول هذا الأمر إلى الواجهة الإعلامية والسياسية بالمغرب على اعتبار أن مسألة تقبيل يد الملك محمد السادس إبان جلوسه على عرش  المملكة استأثرت باهتمام بعض الأوساط السياسية والمدنية الحداثية.

 

وقد اختلفت طريقة تقبيل يد الملك عبر التاريخ المعاصر لبلادنا، فمن السجود للسلطان، إلى حد تقبيل حذائه.. والتي تم تركها، مرورا بتقبيل اليد، التي تتم حسب مكانة الشخص على سلم الهرم الاجتماعي، انتهاء بالعاملين داخل سرايا القصر الذين يلفون يدهم في جزء من سلهامهم حتى لا تلمس يدهم يد الملك.. وقد جرت العادة أن يقبل العلماء كتف السلطان مع ترك جلبابهم منسدلا في حين كان يقبله الآخرون بعد قيامهم بعملية ما يسمى "التجنيحة".. فهل تقبيل يد الملك مسألة اختيارية أم تتم بالإكراه؟ وهل سيتم إلغاؤها كما تم إلغاء السجود للملك قبلها؟ ولماذا لا يتم الإعلان عن عدم تقبيل يد الملك كما حصل في المملكة العربية السعودية؟ وهل تقبيل اليد محرم شرعا كما فاه بذلك الملك عبد الله؟

 

 شكلت الإجراءات الأولى التي أطلقها الملك إشارات سياسية تفيد أن محمد السادس سيكون مخالفا لوالده في سلوكاته وإدارته للشأن العام، وأنه سيدخل المغرب إلى مصاف البلدان الديمقراطية المتقدمة. ومن هذا المنطلق اجتهد بعض الفاعلين الحداثيين في الحديث عن ضرورة وضع حد لبعض الممارسات والسلوكات التي تتعارض مع قيم الحداثة واحترام حقوق الإنسان، وهنا وقف البعض من هؤلاء على مسألة تقبيل يد الملك التي ميزت البرتوكول الملكي إبان عهد الراحل الحسن الثاني مطالبين بإلغائها لكونها تخدش صورة الملك الجديد. وقد لقيت هذه الدعوة تجاوبا من طرف قطاع واسع من المغاربة الذين كانت "تستفزهم" الطريقة التي كان يقبل بها بعض المسؤولين يد الملك الحسن الثاني، إذ كانت النشرات الإخبارية في قناة "دار البريهي" تظهر مثل هذه المشاهد، مع العلم بأن التفنن في تقبيل اليد لا يعني الوفاء والإخلاص في خدمة الوطن.. لكن هذه الدعوة لقيت معارضة شديدة من قبل بعض الدوائر النافذة في دوائر صنع القرار خاصة المحافظة منها والتي ترى أن تقبيل اليد يدخل ضمن الأعراف والتقاليد التي ميزت علاقة السلاطين بالرعية، وهي ثقافة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ..

 

يختلف محمد السادس عن والده حول مسألة تقبيل اليد، ذلك أن الحسن الثاني ومحيطه الملكي كان يحرص كل الحرص على هذه المسألة، إذ كان المقربون منه يقومون بعملية تقبيل يديه أكثر من مرة، وكثيرا ما انزعج محيطه الملكي عندما يقوم البعض بعدم احترام هذا السلوك. أما محمد السادس، فالظاهر أنه منح نوعا من الحرية للآخر في طريقة السلام عليه، بمعنى أنه لا يمانع عندما لا يتم تقبيل يده، ويمنح يده لمن أراد أن يقبلها مرة أو مرتين، أي أنه ترك الأمر لضمير الآخر.. لكن بالرغم من هذا التطور الإيجابي مازالت بعض الجهات النافذة داخل دوائر القرار السياسي تحتج بطريقتها عندما لا يتم احترام عملية تقبيل يد السلطان، ونسوق في هذا الباب واقعة تعيين أعضاء المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من قبل الملك محمد السادس، فالأعضاء المحسوبين على الحركة الأمازيغية (باستثناء عضو ينتمي إلى أحد الجمعيات الثقافية الأمازيغية) لم يقبلوا يد الملك، حيث سلم معظمهم على الملك بطريقة عادية (غير مخلة طبعا بالاحترام) فيما فضل البعض منهم تقبيل كتفه، الشيء الذي أثار انتباه حفيظة بعض المحيطين بالملك وخاصة عبد الوهاب بلمنصور، مؤرخ المملكة، وعبد الحق المريني، مدير التشريفات والأوسمة..

 

وفي هذا السياق شكلت عملية تقبيل يد الملك من طرف أعضاء المجلس الإداري الحدث، حيث شدت انتباه الرأي العام أكثر من عملية التعيين في مجلس إدارة منشأة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.. والكل يتذكر هنا أن جل وسائل الإعلام الوطنية توزعت في تناولها للحدث وتداعياته بين مؤيد ومتحفظ.

 

لم يمر هذا الحدث دون أن يخلف وراءه ردود فعل سلبية ابتدأت بحرمان الأعضاء المعنيين من أخذ صورة جماعية لهم رفقة الملك كما دأب على ذلك عند كل تعيين من هذا الحجم.. إذ أن الصورة التي يظهر فيها أعضاء المجلس الإداري للمعهد مجتمعين أخذت خارج القصر الملكي!؟ وانتهت بعدم إعطاء الحدث ما يستحقه من اهتمام على مستوى وسائل الإعلام العمومية..

 

أكيد أن مبادرة العاهل السعودي لقيت ترحيبا على المستوى المحلي هناك وكذا الدولي خاصة أن خبر إلغاء تقبيل يد الملك عبد الله تداولته كبريات المحطات الإعلامية، كما استقبلتها الأوساط السياسية في بلادنا بين رغبة البعض في كون اتخاذ مثل هذا القرار كان من المفروض أن تكون بلادنا هي السباقة لاتخاذه خاصة وأن المغرب قطع أشواطا متقدمة على مستوى احترام حقوق الإنسان.. ورغبة البعض الآخر في التقليل من أهميته على خلفية أن الأمر شأن سعودي محض، لا يجب أن يكون نموذجا بالنسبة إلينا في المغرب، إضافة إلى أن هذه الخطوة لا يمكن أن تشكل مقياسا لتطور الديمقراطية هناك.

 

ونعتقد أن عملية إلغاء تقبيل يد الملك تحمل دلالات رمزية وتنهل من ثقافة حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، وأن الإقدام على ذلك لا يكلف إمكانيات مادية بقدر ما يتطلب جرأة وإرادة سياسيتين تتجاوز جيوب مقاومة التحديث والدمقرطة والتي تحن إلى عهد ولى بدون رجعة.

لقد حان الوقت للتخلص من هذا السلوك القروسطوي الذي يحط من قيمة الإنسان زمن سيادة ثقافة حقوق الإنسان، كما تم التخلص في عهد محمد الخامس من طريقة التقبيل التي كان يلجأ إليها البعض وذلك بالركوع أمامه وتقبيل حذائه.. مع العلم أن المغرب الحقوقي شهد تقدما نال ثقة المجتمع الدولي واستحسانه لأن الرابح في هذه العملية ليس النظام وحده بل المغرب بكل مكوناته.

 

للتعليق على هذا الموضوع