01 فبراير 2005

 

 

الملكية في المغرب تبحث عن يمين سياسي حقيقي

مصطفى عنترة

 

مما لاشك فيه أن مبادرات التجميع التي شهدتها أحزاب اليسار في شكل أقطاب سياسية، ظاهرة إيجابية لكونها، أولا: ستساعد على تنظيم وعقلنة الحقل السياسي، ثانيا: ستقوي لحمة اليسار وتؤهله لأداء دوره التاريخي، خاصة وهو الحامل لمشاريع الدمقرطة، وثالثا: ستدفع التشكيلات السياسية الأخرى خاصة ذات التوجه الليبرالي إلى سلك نفس المسلك..

وعلى العموم فهذه المبادرات تؤشر في العمق على وجود تحول جوهري في الفكر اليساري وفي عقلية أنصاره. فقد شهدنا مبادرة تشكيل تجمع خماسي يضم في صفوفه كوكتيلا متكونا من خمس تنظيمات تنتمي إلى الحركة الاتحادية (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، المؤتمر الوطني الاتحادي، والوفاء للديمقراطية)، والباقي ينتمي إلى اليسار الجديد (اليسار الاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي)، كما شهدنا مبادرة مماثلة ضمت كل من حزب التقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب العهد.

وللإشارة ينتمي هذا الفصيل السياسي الأخير (حزب العهد) إلى العائلة الحركة، إذ تجمعه مع الاثنين تحالفات ظرفية فرضتها مواقعهما الانتخابية الأخيرة..

إن هذا التطور من شأنه أن يفرز قطبين أو ثلاثة أقطاب يسارية في أحسن الأحوال، منها من سيظل قريبا من الحكم والآخر بعيدا عنه إلى أن يستنفذ الأول كل قواه، ليأتي بالثاني قصد تجديد شرعية النظام السياسي، وهو المنطق الذي دأب عليه المخزن في علاقته مع أحزابه السياسية.

 

الأكيد أن التقدم الذي شهده اليسار لا يمكنه أن يكتمل إلا بوجود يمين ليبرالي حقيقي، متشبع بفكر ليبرالي تقدمي يقوم بالدفاع عن مصالح طبقات اجتماعية معينة ويحرص على احترام قواعد اللعبة الاقتصادية الموضوعة بعيدا عن تأثير "المخزن".

 

لقد عرفت البلاد منذ بداية سنوات الستينات من القرن الماضي محاولات تشكيل يمين ليبرالي، أولا: مع أحمد رضا أكدير، رفيق الملك الراحل، توجت مبادرته بتأسيس جبهة للدفاع عن المؤسسات الدستورية قبل أن تنفجر لأسباب مرتبطة بغياب آليات عقلانية لتدبير الاختلافات المتواجدة بين مكوناتها بشكل ديمقراطي (الحركة الشعبية، الأحرار المستقلين وحزب الشورى والاستقلال..)، وثانيا: مع أحمد عصمان، صهر الملك الراحل، الذي استطاع تشكيل حزب، تتكون قاعدته الاجتماعية أساسا من "المستقلين" الفائزين في أول انتخابات بعد المسلسل الديمقراطي. إلا أن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يستطع القيام بدور اليمين القوي لاعتبارات متعددة منها افتقاده لاستقلالية القرار السياسي، خاصة وأن تركيبته ضمت مجموعة من الأطر الإدارية التي استفادت من طبيعة السياسة التي نهجها الملك الراحل الحسن الثاني في سنوات السبعينات (المغربة..) وعدم قدرة زعيم الأحرار على خلق توازن داخل مكونات تجمعه، المسكونة بتناقضات مصالحية سرعان ما انفجرت في بداية الثمانينات إثر إقدام النقابي أرسلان الجديدي، الحامل لشعار الدفاع عن "العروبة"، على تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي. لكن مع المعطي بوعبيد (قيادي سابق في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) سيعرف النظام السياسي استقرار يمين إداري، استطاع أن يوظفه في تمرير سياسة اقتصادية (التقويم الهيكلي) فرضتها عليه المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي و البنك العالمي..). ولم ينته هذا الأمر عند وفاة الراحل الحسن الثاني، ذلك أن السنوات الأخيرة شهدت بروز أحزاب سياسية تدعي تمثيل الفكر الليبرالي، وهي الإطارات التي سميت بـ"أحزاب العهد الجديد" كما هو الحال لحزب القوات المواطنة لصاحبه عبد الرحيم الحجوجي(الرئيس السابق للاتحاد العام لمقاولات المغرب) ورابطة الحريات لصاحبه علي بلحاج..

 

ومعلوم أن الإدارة تحكمت بشكل كبير في الظاهرة الحزبية، ذلك أن هذه الأخيرة كان نشاطها يتم داخل إطار محصن قانونيا ودستوريا وسياسيا اعتبارا لمركزية المؤسسة الملكية داخل النسق السياسي المغربي.. فقد ساهم الحكم في خلق أحزاب بغية ضرب أخرى وإقامة توازنات سياسية معينة تمكنه من لعب دور الحكم بينها، كما قام بشق أخرى لكونها تبنت مواقف خرجت عن "طاعته".. والأمثلة في هذا الباب عديدة.

 

من هذا المنطلق شهدنا كيف اجتهد النظام في خلق يمين سياسي موالي له ضدا على يسار عارض سياسته ورفض الدخول في مخططاته.. حيث مده بكل الإمكانيات المادية ووضعت وسائل الإدارة في خدمته، كما حصل مع حزب المعطي بوعبيد صاحب شعار "جيل ما بعد الاستقلال" الذي عاشت نخبته مدللة على أكتاف "المخزن" مستفيدة من نسق المكافآت والامتيازات. في ذات السياق خلق الحكم في سنوات السبعينات الحركة الإسلامية لضرب اليسار الماركسي، بل وأوعز مهمة تأطير إسلاميين من المغرب إلى الدكتورعبد الكريم الخطيب، رجل "المخزن"، قصد توفير الشروط المناسبة أمامهم لمساندة إخوانهم "المجاهدين" هناك بأفغانستان ضمن المخطط الأمريكي الذي انخرطت فيه مجموعة من الدول لضرب حكومة كابول الموالية للمعسكر السوفياتي. تم لعب الخطيب دورا جديدا في عملية "التأطير السياسي" لأصدقاء عبد الإله بنكيران وجرهم للعمل داخل الشرعية القانونية. نفس المنطق تحكم في خلق كل من حزبي عيسى الورديغي والتهامي الخياري المنشقين على التوالي عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب التقدم والاشتراكية قصد ترتيب توازنات سياسية ظهرت تجلياتها في حكومة "التناوب التوافقي".

 

وجدير بالتذكير أن كلا من أحمد رضا اكديرة وإدريس البصري، على التوالي مستشار ووزير داخلية الملك الحسن الثاني، لعب أدوارا هامة في هندسة المشهد السياسي، كل من موقعه القريب من الملك الحسن الثاني، رغم الاختلاف الواضح الذي كان يميزهما سواء على مستوى الأفكار أو أسلوب العمل.. لكن نعتقد اليوم أن هذا المنطق في التعامل مع الظاهرة الحزبية، لم يعد له أي مبرر على اعتبار أن نتائجه أجمع على سلبيتها كل الغيورين على مصلحة البلاد.

 

دون شك أن "المهندسين الجدد" للنظام يدركون الأهمية السياسية لوجود يمين ليبرالي حقيقي، يمثل مصالح طبقات وشرائح اجتماعية معينة ويدافع عنها كلما اقتضت الحاجة ذلك، ويتمتع باستقلالية فعلية في اتخاذ القرار السياسي.. فالحقل السياسي لا يمكن أن يكتمل توازنه، إلا بعد بروز إطارات أو قطب ليبرالي خاصة وأن المناخ الدولي يعرف سيادة اقتصاد السوق. وهو معطى إيجابي يساعد هذه القوى الليبرالية على الانخراط أكثر في إطار "أممية ليبرالية" أو ما شابه ذلك. فالملكية في المغرب في حاجة إلى رجل ليبرالي وذي خبرة كبيرة مثل اكديرة، قادر على توفير شروط سياسية مناسبة لبروز يمين ليبرالي مستقل، يساهم في عملية التحديث السياسي. على اعتبار أن عهد "فبركة" الأحزاب وبلقنة الخريطة السياسية قد ولى إلى غير رجعة، نظرا للتطور السياسي الهام الذي عرفه المغرب، كما هي (أي الملكية) في حاجة إلى يمين سياسي قوي غير ذاك الذي حاول حزب الاتحاد الدستوري على سبيل المثال تجسيده على أرض الواقع السياسي.

musantra@hotmail.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"boukob khalil" <kodospdos@plus.cablesurf.de> 

Date: Sun, 20 Mar 2005 12:23:06 +0100

   

الاحزاب هي البروقراطية الخطيرة التي تنهك ميزانية الدولة,ثم الحزب يقتصر اولا على اعضائه للحصول على امتيازات ولاينظر الى مصالح السواد الاعظم وهذا مافعله كل الاحزاب انا في اعتقادي ,المسؤولية فردية التي تتحول الى مسؤولية الافراض,هناك اختلافات كثيرة في العالم المناخ ,اللون , العقيدة ,المكان الى اخره,والمسؤول الذي يتطفل للتسيير يجب ان تكون له معرفة كبير وفلسفة سياسية التي تسطيع من هذا الاختلاف ان تخلق توافق يخدم هذا الاختلاف ويجعله الاختلاف الايجابي المسالم بعيد كل البعد عن الحروب والعدوان ,وهذا مع الاسف لانجده في الاحزاب بل هم السبب في الفتنة والعداوة,لناءخد مثلا الكسكس رغم اختلاف الخضر والثوابل فانه وجبة تفتح الشهية لاكلها اما البرلمان يفتح لي الشهية لغلقه ومن هذا المنطلق لماذا الاحزاب لماذا لاتكون الانتخابات فردية بدون تحزب ويتكون برلمان الافراد الذين يناقشون المشاكل والفرض الذي له المنهجية الاكثر اجابية القبول بها مع استعمال فلفسفة التكميلية هذا من جهة اما من جهة اخرى اني اثير الانتباه ما اقوله لايعني الحزب الواحد وهذه الفلسفة بعيد كل البعد عن البعثيه  بل الفرد والكل لاعود واقول كلكم حر وكل حر مسؤول عن حريتهكم اذا كان الدستور والقانون هو حماية الحريات فان الحرية ضميرين متصلين الفرد والكل حريتي هي الا امس بحرية الغير بما في ذالك المكان الزمان  العقيدة الى اخره,كما اتسائل تقليد البرلمانات الغربية هل هذه البرلمانات حلت مشاكل شعوبها اني ارى العكس صحيح انها عبارة عن حصارات سياسية  ,