![]()
31 مارس 2007
في العلاقة بين الثري والمثقف
أن يستكتب العماد مصطفى طلاس المجنّدين في "الجيش
العربي السوري" لكتابة ونشر بضع عشرات من الكتب بإسمه ، فهذا
"طرفة" باتت قديمة ومعروفة. وكذلك لقب "الدكتور" الذي يحمله
مئات من الأمّيين، ومن مسؤولي الأجهزة الأمنية، ومن القتلة، ومن رجال الدين الجهلة.
بالمقابل، فليس ما يمنع أن يكون بعض الأثرياء
"مثقفين" حقيقيين. وسبق أن نشرنا مواضيع لأثرياء عرب، ليس بصفتهم أثرياء
بل كمثقفين تستحق مقالاتهم النشر، أي لأن مقالاتهم تقف على أقدامها بدون فلوسهم.
أكثر من ذلك، فليس ما يمنع من أن
يوظّف أثرياء عرب أموالهم في "الثقافة". فالثقافة "صناعة"،
و"الثقافة العربية" بحاجة ماسّة إلى "رساميل" تنقلها من وضعها
"الحِرَفي" البائس حالياً إلى وضع صناعة عصرية. وهذا سيكون لصالح رجل
الأعمال المستثمِر ولصالح المثقف والثقافة نفسها.
أما أن يعمد بعض الأثرياء العرب لاستدعاء بضع عشرات من
المثقفين العرب (الثقافة "نسبية") بغية "تزيين" مؤسّسات أو
ندوات أو هيئات أو مؤتمرات يرغب في عقدها للكلام عن "قضية" يعتيرها
الثري "قضيّته" فهذا موضوع مختلف.
وحيث أن وضعية "المثقّف" العربي هي، أصلاً، وضعية
ضعيفة و"دونيّة" في مجتمعات يتربّع على أكتافها الحاكم ورجل الدين
والثري الملحق بالنظام، وينخفض فيها مستوى الأجور، فإن العلاقة التي تنشأ بين
"الثري صاحب القضية" و"المثقف" الذي يتمّ استدعاؤه
كـ"ديكور" تكون من نفس نوعية العلاقات السائدة في المجتمع.
فـ"الثري" لا يضيّع فرصة لاستعراض علاقته الفوقية
بالمثقف الذي استدعاه وجنّده بـ"فلوسه"، أو للتعبير عن "عِقَد
نقصه" تجاه "الثقافة" و"المثقفين" عبر إذلال هؤلاء
الأخيرين.
مناسبة هذا الكلام ما حدث قبل أيام في عاصمة أوروبية، ووصل
إلى حدود الإسفاف والإبتذال. مما أدى إلى انسحاب عدد من المثقفين من مؤتمر دعا
إليه "ثري" للدعوة لقضيّته.
ما العمل في مثل هذه الحالات؟
هنالك خياران. إما رفض التعامل مع مثل هذه الشخصيات التي لا
تمثّل سوى ثروتها. أو التعامل معها ولكن بواقعية.
الثري الذي يفتح مؤسسة أو يعقد مؤتمراً لإبراز نفسه،
ولالتقاط صوره وسط "مثقفين"، إنما يقوم في الواقع بعملية يُطلِق عليها
الأميركيون تسمية "لوبي". أي أنه نوع من "الدعاية" غير
المباشرة لشخص أو لقضية. وهذا عمل مشروع ومقبول في المجتمع الحديث. وليس فيه ما
يعيب.
سوى أنه ليس عملاً "ثقافياً". أو أنه ليس عملاً
ثقافياً بالدرجة الأولى.
ويجدر بالمثقف في هذه الحالة أن يتعامل مع هذه الظاهرة كما
هي. أي، إما أن يقاطعها. أو أن يفاوض ويقايض حول "حدود" مشاركته،
وشروطها وظروفها، وحول مقابلها المادي. ولا يفيد هنا الإختباء وراء الأصابع والزعم
بأن الثفاقة والمال لا يلتقيان. فهذا، ببساطة، ليس صحيحا. فهما يلتقيان في كل يوم،
وفي كل صحيفة، وفي كل مؤسسة. والمثقّف، مثل غيره من البشر، يمارس وظيفة يستحق
عليها أجراً في مجتمع يقوم على العمل المأجور.
نقترح على المثقفين العرب أن يتعاملوا مع الأثرياء العرب
بهذا المنطق الواقعي لأنه يحفظ لهم مكانتهم ويحول دون استدراجهم إلى مواقف غير
مقبولة يكونون فيها أشبه بـ"شهود زور"، أو في أحسن الأحوال مجرّد
"ديكور".
وبمناسبة الحديث عن المؤتمرات، فقضايا مثل "قضية
المرأة" ليست "ديكوراً" يمكن إلحاقه بأية قضية أخرى من أجل إعطائها
طابعاً محترماً. للمرأة العربية "قضية" حقيقية، وليس مقبولاً أن تتحوّل
إلى "ديكور".
بالنسبة لنا في "الشفّاف" قرّرنا أن من الأفضل أن
نمارس "رقابتنا" على مثل هذا النوع من التظاهرات التي تدخل في نطاق
"اللوبي".
وهذا يعني، في الحدّ الأدنى، مقاطعتها وعدم الحديث عنها.
إحتراماً للمثقفين، وللثقافة.
وإذا كان "الثري" صاحب القضية راغباً في
"النشر" حول قضيّته، فما عليه سوى أن يدفع ثمن "إعلان مدفوع".
علناً، وليس "من تحت الطاولة". "الشفاف" يقبل الإعلانات
المدفوعة (العلنية) ويفضّلها على الإبتذال الذي يخلط بين الثقافة و"اللوبي.