14 أبريل 2007

 

 

 

 

 

 

أبناء الرافدين فى مضارب الأردن

المحامى سليمان الحكيم

الحلقة الأولى

 

منذ قيام دولة العراق الحديث سنة 1921 لم يحتلّ الأردن حيّزا ذا قيمة فى وجدان واهتمامات الشعب العراقى. ففى العهد الملكى كانت العلاقات بين فرعىّ الأسرة الهاشمية مشوبة بالحساسيات والتحاسد والشك لأسباب عديدة منها ما يتعلّق بطبيعة الهاشميين الميالة الى الارتياب ومنها ما يعود الى الصراعات الدولية والاقليمية فى تلك المرحلة. وفى العهد الجمهورى كانت العلاقات بين الدولتين تتسم بالتحفظ والبرود برغم أن الجيش العراقى قد عاود فى سنة 1967 مرابطته على الحدود الفلسطينية لغاية 1971.ولكن التوجّه الأساسى للشعب العراقى كان نحو سوريا ولبنان  وبدرجة أقلّ نحو تركيا وايران. وللحقيقة فأنى ممن يقولون بأن الامتداد والعمق الطبيعيين لأرض العراق انما يسير محاذيا لمجرى الفرات والتاريخ أيضا باتجاه قلب بلاد الشام – سورياولكن ما حدث فى العراق ومنذ 1979 قد غيّر كل المفاهيم التى تعوّد العراقيون على اعتبارها من بديهيات الحياة. فقد منعوا من السفر باستثناء فئات محدودة العدد، وخاضت بلادهم سلسلة صراعات داخلية وحروب فى فترة زمنية طالت عقدا ونصف من الزمن. ففى عام 1991 فرض مجلس الأمن على نظام صدام حسين المهزوم فى معركة الكويت  جملة قرارت تنضوى جميعها تحت بند الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ومن بينها قرار يلزمه باطلاق حرية السفر للعراقيين الذين اكتشفوا أن حدود بلدهم مع دول الجوار الستّ مغلقة باستثناء تلك التى مع الأردن. وكذلك صار هذا البلد الذى يحتلّ مكانا هامشيا فى وجدان العراقيين رئة وحيدة يتنفسون فيها هواء مختلفا ومعبرا انطلقوا منه الى حيث أمكنهم فى أرجاء العالم وممرّا وحيدا لتجارتهم ولاستيراد سلعهم وركنا آمنا للاستجمام خاصة فى فصل الصيف. ولقد استقبل الأردنيون المجاميع العراقية التى بدأت منذئذ بالتوافد على بلادهم بترحاب حارّ وبأحضان مفتوحة. وفى ظنّى أن أسبابا متعددة تضافرت لتدفئة تلك العلاقة المستجدة منها ما هو اقتصادى ومنها ما هو سياسي ومنها ما يتعلق بالعادات القبلية التى لا تزال تشكّل محددات السلوك المجتمعى الأردنى.  فقد انتعش السوق الأردنى الصناعى والتجارى والخدمى بفعل الطلب العراقى، وتعاطف الطرف الفلسطينى من أهل الأردن مع من اعتبروهم ضحايا الصلف الخليجى والعدوان الأميركى وأبناء الوطن الذى خرق نظرية الأمن الاسرائيلى وقصف المدن الاسرائيلية بالصواريخ. وكان للطرف الأردنىالعشائرى فى غالبيته الساحقة – أسبابه الخاصة فى الترحيب بالضيوف الجدد فهم أبناء البلد الذى يرتبط النظام فيه بعلاقة صداقة باتت راسخة مع ملك البلاد. وهم أيضا من البلد الذى يزوّدهم بحاجتهم من النفط وبأسعار رمزية. وفوق ذلك كله فهم متمسكون بعاداتهم فى اكرام الضيف وبخاصة اذا كان يمرّ بمحنة.  كما أن بلدهم عرف فى فترة الحرب مع ايران انتعاشا اقتصاديا غير مسبوق بعد أن تحوّل ميناء العقبة الى مصدر رئيس لاستيراد احتياجات العرق الضخمة من سلع وسلاح، وعرفت المصارف الأردنية نمطا جديدا من الأعمال بلغت فيه المبالغ المالية أرقاما فلكية.

 

أقام عدد قليل نسبيا من العراقيين فى الأردن بعد سنة 1991 وكانت اجراءات الاقامة وقتها بسيطة ميسورة. غير أن تزايد أعدادهم باطراد فرضه تدهور الأحوال فى العراق على كل الصعد،  دفع الحكومة الأردنية الى مطالبتهم باثبات مبررات الاقامة وتكاليفها، خاصة بعد أن طالت يد المخابرات العراقية لتغتال بعض معارضى النظام وبعض الكفاءات العلمية المرموقة التى عجزت عن تأمين لقمة العيش الكريم فى بلدها فخرجت تبحث عن وطن بديل يؤمّن لها الخبز والكرامة معا . ولقد انقسم العراقيون وقتها الى نوعين: أحدهما يقيم فى الأردن بصفة مؤقتة منتظرا استكمال اجراءات هجرته الى قارات أخرى، وثانيهما أسس أعمالا وشركات وهم عموما من المنتمين الى القمة العليا من الطبقة الوسطى. ومن الطبيعى أن يختلف عدد العراقيين المقيمين وقتها فى الأردن من شهر لآخر بسبب حراك معظمهم ما بين مهاجر وزائر، ولكن بوسعنا حصر الرقم ما بين خمسة وسبعين ألفا ومائة ألفاً.

 

اختلفت الصورة جذريا بعد غزو العراق عام 2003 وانقلب الحال وتبدلت العلاقة بين الشعبين (الشقيقين).  فقد تدفقت على الأردن أشكال جديدة من العراقيين وبأعداد هائلة ومن شتّى ثقافات وملل العراق، وبالذات بعد تدهور الأحوال الأمنية هناك وانهيار الدولة واليأس من قدرتها على الانبعاث.  فمن رجل أعمال من الطبقة الوسطى فرّ بعائلته ينشد لها الأمن الى لصّ مصارف هرب بغنيمته الهائلة متلهفا على تنظيفها فى بلد تمتلك فيه المصارف حرية معقولة، الى شريك سابق لأحد مراكز القوى فى النظام العراقى السابق طار برأس المال تاركا شريكه فى سجون الاحتلال، الى طبقة كبار الأساتذة فى الطب والهندسة والرياضيات  التى استهدفت حياتها فى العراق أيد غامضة.  وانهالت مطالب هؤلاء فى السكن وملحقاته الاستهلاكية وفى البحث عن فرص استثمار وعمل على سوق هو محدود القدرات  أساسا،  وعلى الناس فى الأردن وهم ينتمون فى غالبيتهم الساحقة الى البرجوازية الصغيرة دفعة واحدة، وجرفت كتلة نقدية فلكية حملوها معهم سكون ذلك السوق ومعه مؤشرات أسعار كل السلع بلا استثناء!

 

وكذلك أحدث الطلب العراقى خللا جوهريا فى اقتصاد مستقر.  فقفزت  أسعار كل شىء وأى شىء الى حدود فلكية فى فترة وجيزة تقدّر بالشهور.  وفى حين استفادت الطبقة الارستقرطية والبرجوازية العليا والكومبرادور من تلك الطفرة، فان الطبقة الوسطى وما تحتها جنت تآكلا فى قدرتها الشرائية وتدهورا فى مستوى معيشتها.

 

الى جانب العامل الاقتصادى دخلت السياسة لتعمّق الشق بين الشعبين (الشقيقين). ومن المعروف أن منطقة جنوب الشام تخلو من أى وجود شيعى وتحديدا فى شرق الأردن وغربه، بل ان تلك البلاد تكاد تنفرد بحمل أبنائها لأسماء أموية فاقعة مثل يزيد وسفيان ومعاوية. وقد أثار وصول قوى شيعية طائفية النزعة  الى السلطة فى العراق محتمية بالدروع الأميركية هزّة طائفية غير مسبوقة فى تاريخ الأمة. وقد أجج الارهاب السلفى والدعم الوهابى الذى يمتلك مرتكزات هامة فى الوسط الفلسطينى فى الأردن هذه النعرة.  وكذلك اجتاحت الطرف الفلسطينى من مكونات الشعب الأردنى عاصفة كراهية تجاه العراقيين والشيعة منهم خاصة تأججت الى مديات كبيرة عقب اعدام بطلهم.  وفى ظنّى أن الدولة الأردنية كانت تعيش حيرة حقيقية ما بين ارضاء جارها العراقى الجديد للمحافظة على ما تبقى من مصالح حيوية لها معه ومراعاة للصديق الاستراتيجى الحامى له من جهة، وما بين الاستجابة لعواطف جزء هام من مكونات شعبها. وقد أنتهت الدولة الأردنية الى حلّ يحفظ مصالحها الخارجية وأمنها الداخلى فى وقت واحد وهو ما سيكون بداية حديث الحلقة الثانية. .

                                                                                                                                     Alhakim949@yahoo.com

 

* كاتب عراقي مقيم في عمّان

 

للتعلبق على الموضوع